×

القائمة العلوية

القائمة الرئيسية

للإختصار

أخبار الموقع

true
true

محتوى خاص

true
    الیوم:  السبت 9 صفر 1442   
true
false

 

قالوا : لعلَّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حين أمرهم بإحضار الدواة لم يكن قاصداً لكتابة شيءٍ من الأشياء ، وإنَّما أراد مجرَّد اختبارهم لا غير.

فنقول : إنَّ هذه الواقعة إنَّما كانت حال احتضاره ـ بأبي هو وأُمِّي ـ كما هو صريح الحديث ، فالوقت لم يكن وقت اختبار ، وإنَّما كان وقت إعذار وإنذار ، ووصيَّة بكلِّ مهمَّة ، ونصح تامٍّ للأُمَّة ، والمحتضر بعيدٌ عن الهزل والمفاكهة ، مشغول بنفسه وبمهمَّاته ومهمَّات ذويه ، ولا سيَّما إذا كان نبيَّاً.

وإذا كانت صحَّته مدَّة حياته كلِّها لم تسع اختبارهم ، فكيف يسعها وقت احتضاره ، علىٰ أنَّ قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ حين أكثروا اللغو واللغط والاختلاف عنده ـ : « قوموا » ، ظاهر في استيائه منهم ، ولو كان الممانعون مصيبين لاستحسن ممانعتهم ، وأظهر الارتياح إليها ، ومن ألمَّ بأطراف هذا الحديث ولا سيَّما قولهم : هجر رسول الله ، يقطع بأنَّهم كانوا عالمين أنَّه إنَّما يريد أمراً يكرهونه ، ولذا فاجأوه بتلك الكلمة ، وأكثروا عنده اللغو واللغط والاختلاف كما لا يخفى ، وبكاء ابن عباس بعد ذلك لهذه الحادثة ، وعدّها رزيةً ، دليل علىٰ بطلان هذا الجواب.

وقالوا : إنَّ عمر كان موفَّقاً للصواب في إدراك المصالح ، وكان صاحب إلهام من الله تعالىٰ.

نقول : وهذا ممَّا لا يصغىٰ له في مقامنا هذا ، لأنَّه يرمي إلى أنَّ الصواب في هذه الواقعة إنَّما كان في جانبه لا في جانب النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنَّ إلهامه كان أصدق من الوحي الذي نطق به عن الصادق الأمين صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

وقالوا : بأنَّه أراد التخفيف عن النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إشفاقاً عليه من التعب الذي يلحقه بسبب إملاء الكتاب في حال المرض.

نقول : أمَّا نحن فنرىٰ بأنَّ في كتابة ذلك الكتاب راحة قلب النبيِّ ، وبرد فؤاده ، وقرَّة عينه ، وأمنه علىٰ أُمَّته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الضلال. علىٰ أنَّ الأمر المطاع ، والإرادة المقدَّسة ، مع وجوده الشريف ، إنَّما هما له ، وقد أراد ـ بأبي هو وأُمِّي ـ إحضار الدواة والبياض ، وأمر به ، فليس لأحد أن يردَّ أمره أو يخالف إرادته ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا ) [١].

على أنَّ مخالفتهم لأمره في تلك المهمَّة العظيمة ، ولغوهم ولغطهم واختلافهم عنده ، كان أثقل عليه وأشقُّ من إملاء ذلك الكتاب ، الذي يحفظ أُمَّته من الضلال ، ومن يشفق عليه من التعب بإملاء الكتاب كيف يعارضه ويفاجئه بقوله : هجر ؟!

وقالوا : إنَّ عمر رأىٰ إن ترك إحضار الدواة والورق أولىٰ.

نقول : هذا من أغرب الغرائب ، وأعجب العجائب ، وكيف يكون ترك إحضارهما أولىٰ مع أمر النبيِّ بإحضارهما ؛ وهل كان عمر يرىٰ أنَّ رسول الله يأمر بالشيء الذي يكون تركه أولىٰ ؟

وقالوا : وربَّما خشي أن يكتب النبيُّ أُموراً يعجز عنها الناس فيستحقون العقوبة بتركها.

نقول : كيف يخشىٰ من ذلك مع قول النبيِّ : « لا تضلُّوا بعده » ، أتراهم يرون عمر أعرف منه بالعواقب وأحوط منه وأشفق علىٰ أُمَّته ؟ كلاّ .. وألف كلاّ ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا ) [۲].

وقالوا : لعلَّ عمر خاف من المنافقين أن يقدحوا في صحَّة ذلك الكتاب ، لكونه في حال المرض ، فيصير سبباً للفتنة.

نقول : هذا محال مع وجود قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا تضلُّوا » ، لأنَّه نصَّ بأنَّ ذلك الكتاب سبب للأمن عليهم من الضلال ، فكيف يمكن أن يكون سبباً للفتنة بقدح المنافقين ؟! وإذا كان خائفاً من المنافقين أن يقدحوا في صحَّة ذلك الكتاب ، فلماذا بذر لهم بذرة القدح حيث عارض ومانع ، وقال : هجر ؟

وقالوا في تفسير قوله : ( حسبنا كتاب الله ) ، إنَّه تعالىٰ قال : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ) [۳] وقال عَزَّ من قائل : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) [۴].

نقول : هذا غير صحيح ، لأنَّ الآيتين لا تفيدان الأمن من الضلال ، ولا تضمنان الهداية للناس ، فكيف يجوز ترك السعي في ذلك الكتاب اعتماداً عليهما ؟ ولو كان وجود القرآن العزيز موجباً للأمن من الضلال لما وقع في هذه الأُمَّة من الضلال والتفرُّق ما لا يرجىٰ زواله.

وقالوا : إنَّ عمر لم يفهم من الحديث أنَّ ذلك الكتاب سيكون سبباً لحفظ كلِّ فرد من أُمَّته من الضلال ، وإنَّما فهم أنَّه سيكون سبباً لعدم اجتماعهم ـ بعد كتابته ـ علىٰ الضلال ، وقد علم عمر أنَّ اجتماعهم علىٰ الضلال مما لا يكون أبداً ، كتب ذلك الكتاب أو لم يكتب ، ولهذا عارض يومئذٍ تلك المعارضة.

والجواب :

نقول : إنَّ عمر لم يكن بهذا المقدار من البعد عن الفهم ، وما كان ليخفىٰ عليه من هذا الحديث ما ظهر لجميع الناس ؛ من أنَّ ذلك الكتاب لو كُتب لكان علَّة تامَّة في حفظ كلِّ فرد من الضلال ، وهذا المعنىٰ هو المتبادر من الحديث إلىٰ أفهام الناس ، وعمر كان يعلم يقيناً أنَّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن خائفاً علىٰ أُمَّته أن تجتمع علىٰ الضلال ؛ لأنَّه كان يسمع قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا تجتمع أُمَّتي علىٰ ضلال ولا تجتمع على الخطأ » ، وقوله : « لاتزال طائفة من أُمَّتي ظاهرين علىٰ الحقِّ … » الحديث[۵] ، وقوله تعالىٰ ( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) [۶] إلىٰ كثير من نصوص من الكتاب والسُنَّة الصريحين بأنَّ الأُمَّة لا تجتمع بأسرها علىٰ الضلال ، فلا يعقل مع هذا أن يسنح في خواطر عمر أو غيره أنَّ النبيَّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، حين طلب الدواة والبياض ، كان خائفاً من اجتماع أُمَّته على الضلال ، والذي يليق بعمر أن يفهم من الحديث ما يتبادر إلىٰ الأذهان ، لا ما تنفيه صحاح السُنَّة ومحكمات القرآن.

علىٰ أنَّ استياء النبيَّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منهم ، المستفاد من قوله : « قوموا » ، دليل علىٰ أنَّ الذي تركوه من الواجب عليهم ، ولو كانت معارضة عمر عن اشتباه منه في فهم الحديث كما زعموا ؛ لا زال النبيُّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شبهته وأبان له مراده منه ، بل لو كان في وسع النبيِّ أن يقنعهم بما أمرهم به لما آثر إخراجهم عنه ، وبكاء ابن عباس وجزعه من أكبر الأدلَّة علىٰ ما نقوله.

والإنصاف ، أنَّ هذه الرزية لمِمَّا يضيق عنها نطاق العذر ، ولو كانت قضية في واقعة ، كفرطة سبقت ، وفلتة ندرت ، لهان الأمر ، وإن كانت بمجرَّدها بائقة الدهر ، وفاقرة الظهر ، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العليِّ العظيم.

ــــــــــــــــــــــــــــــ
[١] سورة الأحزاب : ٣٣ / ٣٦.
[۲] سورة الكهف : ١٨ / ٥.
[۳] سورة الأنعام : ٦ / ٣٨.
[۴] سورة المائدة : ٥ / ٣.
[۵] كنز العمال / ح ٩١٠ و ١٠٣٠ و ١٠٣١.
[۶] سورة النور : ٢٤ / ٥٥.

true
true
true
true

يمكنك أيضا تسجيل تعليقك

- أكمل الخيارات المميزة بنجمة (*)
- البرید الإکتروني سیکون مشفرا و لن یظهر لأحد


false