×

القائمة العلوية

القائمة الرئيسية

للإختصار

أخبار الموقع

true
true

محتوى خاص

true
    الیوم:  السبت 6 رجب 1441   
true
false

قد يطرح هنا إشكال حول التوسّل بالوسائط، وهو دعوى‏ أن الاعتقاد بالوسائط والتوسّل بها لاستدرار الفيض الإلهي قد يوجب اعتقاد العجز في قدرة اللَّه تعالى‏، ومما لاشك فيه أن الباري عزّ وجلّ واجب بالذات وغني عن العالمين، فلابدّ من رفض الوسائط في التوجّه إلى‏ اللَّه عزّ وجلّ.
وبعبارة أخرى‏: إن السؤال والتوسّل والتوجّه إلى‏ غير اللَّه تعالى‏ يستبطن التفويض والغلو وبالتالي يؤدّي إلى‏ الشرك؛ لأن التوسّل يتضمّن إسناد بعض الصلاحيات الإلهية إلى‏ الوسائل، وهو يعني إثبات العجز إلى‏ قدرة الباري تعالى‏ وهو التفويض والغلو الباطل.
الجواب عن الشبهة السادسة: قصور الجاحدين للتوسّل عن معرفة التوحيد في الأفعال:
في مقام ردّ هذه الشبهة نجيب بعدّة أجوبة:
الجواب الأول: إن اللَّه عزّ وجلّ إذا أقدر مخلوقاً من المخلوقات على‏ بعض الأمور، فهو لا يعني سلب القدرة عنه تعالى‏ في تلك الأمور، ولا يعني أيضاً عزله عن صفاته التي منها الصفات التي أعزاها إلى‏ كلماته ووسائطه، فلا تجافي ولا عزلة في البين؛ لأن التجافي والعزلة من أحكام المادّة.
إذن الباري تعالى‏ لا يتجافى‏ ولا ينعزل عن القدرة التي أقدر بعض الموجودات عليها، بل هو أقدر من تلك الوسائط على‏ ما أقدرها عليه.
ويقول الإمام زين العابدين عليه السلام في هذا المقام:
«إن اللَّه تبارك وتعالى لا يطاع باكراه ولا يعصى‏ بغلبة ويهمل العباد في الهلكة، ولكنه المالك لما ملّكهم، والقادر لما عليه أقدرهم» .
وقال أمير المؤمنين عليه السلام في وصفه للَّه‏عزّ وجلّ:
«لا تشبهه صورة ولا يحسّ بالحواس ولا يقاس بالقياس، قريب في بعده بعيد في قربه، فوق كلّ شي‏ء ولا يقال: شي‏ء تحته، وتحت كلّ شي‏ء ولا يقال: شي‏ء فوقه، أمام كلّ شي‏ء ولا يقال له: أمام، داخل في الأشياء لا كشي‏ء في شي‏ء داخل، وخارج من الأشياء لا كشي‏ء من شي‏ء خارج، فسبحان من هو هكذا، ولا هكذا غيره، ولكلّ شي‏ء مبتدأ» .
والحاصل: إن أقدار اللَّه عزّ وجلّ وكّل عطية إلهية يجود بها على ‏مخلوقاته ليس تمليكها تمليكاً عزلياً وبنحو التجافي، وإنما هو تمليك قيّومي إحاطي، فهو عزّ وجلّ بكلّ شي‏ء محيط وقيّوم على كلّ شي‏ء، وهو المالك لما ملّكهم والقادر لما عليه أقدرهم، بل إن التمليك بعينه مخلوق من المخلوقات والمُعطى‏ والعطية كلّها قائمة باللَّه تعالى‏ حدوثاً وبقاءً، فكيف يستقل المخلوق في فعله وهو محتاج في ذاته ومفتقر إلى‏ قيوميّة الباري تعالى‏؟!
وهذا يعني أن ذات المخلوق وفعله وتمكينه وتمليكه وإقداره على‏ بعض الأمور كلّها بحول اللَّه وقوته، ولا يخرج عن حيطة قيوميّته، فلا مجال للتفويض العزلي في عالم الخلقة والامكان، وليست الوسائط إلّامجار لفيض اللَّه عزّ وجلّ وقدرته؛ لأجل عجز بعض القوابل عن التلقّي عن اللَّه تعالى‏ مباشرة.
الجاحدين للتوسّل بنوا جحودهم على التفويض الأكبر:
الجواب الثاني: إن هذه الشبهة التي ذكروها تستبطن التفويض والغلو في المخلوق؛ لأنها مبتنية على دعوى‏ أن المخلوق مستقلّ عن خالقه في الوجود بقاءً، وأن اللَّه تعالى‏ عندما ملّك وأقدر بعض الموجودات المادّية على‏ بعض‏ الأفعال الحياتية اليوميّة، كقدرة الشخص على‏ تحريك أعضائه مثلًا باختياره، انعزلت قدرته عن تلك الأفعال، فإنهم في شبهتهم المذكورة افترضوا أن إقدار اللَّه عزّ وجلّ وتمليكه بعض الأفعال لبعض المخلوقات وأنها استقلال للمملوك عن المالك، كاستدرار الفيض الإلهي عن طريق الوسائط تفويض وغلو في تلك المخلوقات، وحيث أنه مما لا ريب فيه أن اللَّه تعالى‏- كما هو المشاهد حسّاً والمعلوم وجداناً- أقدر الموجودات المادّية على‏ الكثير من الأفعال التي نراها يومياً، فإنه يقتضي اعتقادهم بمقالة المعتزلة التفويضية المغالية، وهي أن المخلوق محتاج إلى‏ الخالق حدوثاً لا بقاءً، وأن اللَّه تعالى‏ بعد أن خلق الموجودات انعزلت قدرته عنها في البقاء والعياذ باللَّه-.
ولا فرق بين فعل وفعل من الناحية العقلية، فإذا كان التوسّل وجعل الوسيلة والشفاعة لبعض المخلوقات يوجب التفويض العزلي، فكذلك إقدارهم على‏ أفعالهم الحادثة اليومية لابدّ أن يكون أيضاً محكوماً بقانون التفويض العزلي، وأن اللَّه تعالى‏ انعزل عن مخلوقاته بعد أن أوجدها وأقدرها وملّكها لأفعالها.
ولا شك أن هذا التفكير مبنيّ على الموازين الحسّية المادّية، ودعوى‏ الفرق بين الأفعال الدنيوية الصغيرة والأفعال التدبيرية الخطيرة، كتدبير السماوات والأرض، وإيصال فيض اللَّه تعالى‏ إلى الموجودات المادّية الدانية في الوجود، حيث آمنوا ببطلان التفويض بجعل وسائط في الفيض، وصحّحوا مقولة التفويض في صغائر الأمور والأفعال المادية الدنيويّة غير الخطيرة.
مع أن موازين بطلان التفويض موازين عقلية لا يفرق فيها بين الأفعال الصغيرة والخطيرة؛ لأن التفويض يوجب الشرك وهو باطل على‏ جميع‏ الأحوال.
ونحن نقول: إن المخلوق لا يستقلّ بذاته وفعله عن الباري تعالى‏ حدوثاً وبقاءً، ولا يفعل المخلوق فعلًا أيّاً كان حجمه وخطورته إلّابإقدار اللَّه وتمكينه وبحوله وقوته بدءاً واستدامة.
ولو كان أصحاب هذه الشبهة يرفضون فكرة التفويض مطلقاً ويوحّدون في الخلقة حدوثاً وبقاءً لما حصلت لهم هذه الشبهة، لأن اللَّه تعالى‏ لا تنحسر قدرته عن المخلوق في أصل خلقته وبعد خلقته، فهو دائماً يستمدّ وجوده وبقاءه من الفيض والمدد الإلهي، وهم أرادوا أن ينكروا التوسّل، وهو فعل من الأفعال للزوم التفويض، فوقعوا فيما هو أعظم وهو التفويض في أصل وجود المخلوقات من حيث البقاء فضلًا عن أفعالها، مع أن اللَّه تعالى‏ دائم الفيض على البريّة، والمخلوق في كلّ آن من آنات وجوده محتاج إلى‏ فيض باريه، لا يستقلّ عنه في وجوده ولا ينادده في فعله؛ إذ الباري قيّوم على‏ وجود المخلوق وأفعاله بنحو الأمر بين الأمرين، فلا ننفي المخلوقات وأفعالها كما فعل ذلك بعض جهلة الصوفية، ولا نعزل قدرة اللَّه تعالى‏ عن مخلوقاته كما فعل المفوّضة، بل نقول كما قال اللَّه عزّ وجلّ: «وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏» .
الجواب الثالث: أن الجاحدين للتوسّل حيث كانوا عبّاد المذهب الحسّي المادي من حيث يشعرون أو من حيث تشبّع نفسياتهم وذهنهم بذلك، حيث يبنون على‏ أن كلّ فعل حسّي هو فعل للمخلوقات، وكلّ فعل وراء الحسّ فهو فعل لاهوتي إلهي، أو أن الأفعال الصغيرة الحجم هي فعل للمخلوقات أما الأفعال الكبيرة فهي فعل إلهي، وعلى‏ هذا الميزان يكون إماتة الموتى‏ لا يصح إسنادها إلى‏ الملك الموكّل وهو عزرائيل عليه السلام، لا سيما وأن الاماتة لا تقتصر على‏ بني البشر فقط، بل تشمل جميع بني الجنّ وجميع النباتات، بل وجملة الملائكة، فهذه القدرة بهذا الحجم كيف تسند وتعزى‏ إلى‏الملك عزرائيل؟ مع أن قدرة اللَّه تعالى‏ أنفذ فيما أقدر عزرائيل عليه، وكذلك ميكائيل الموكّل بتقسيم الأرزاق وتدبيرها لكلّ الكائنات الحيّة على‏ وجه الأرض، وكذلك جبرئيل الموكّل بالبطش والنقمة الإلهيّة ونشر العلم على‏ الكائنات المدركة، وإسرافيل الموكّل بالإحياء وغير ذلك من عظائم الأفعال، فإنه على‏ منطق هؤلاء الجاحدين تكون قدرة اللَّه معزولة عن تلك الأفعال كما توهّمه هؤلاء، وأنّ هذه الأفعال هي صلاحيات إلهيّة لا تقبل الاسناد لغير اللَّه.
فتبيّن أن الضابطة في كون الفعل إلهيّاً هو صدوره عن الفاعل بمعزل عن قدرته غيره، ومن ثمّ لا يصحّ توهّم استقلال المخلوق في الفعل ولو كان حقيراً صغيراً؛ إذ لو استقلّ لكان فاعلًا فعلًا إلهيّاً.

true
الملصقات: ,
true
true
true

يمكنك أيضا تسجيل تعليقك

- أكمل الخيارات المميزة بنجمة (*)
- البرید الإکتروني سیکون مشفرا و لن یظهر لأحد


false