×

القائمة العلوية

القائمة الرئيسية

للإختصار

أخبار الموقع

true
true

محتوى خاص

true
    الیوم:  الثلاثاء 5 صفر 1442   
true
false

فوائد حالة الجوع وآثارها الروحية في الأخبار

الجوع فيه فوائد للسالك في تكميل نفسه ومعرفته بربّه لا تحصى، وقد وردت في فضائله أشياء عظيمة في الأخبار لا بأس بالإشارة إليها أوّلاً ثمّ الكشف عن لمّه، الاشارة إلى حكمته.

روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش، فإنّ الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله وإنّه ليس من عمل أحبّ إلى الله من جوع وعطش.

وقال لأسامة: إن استطعت أن يأتيك ملك الموت وبطنك جائع، وكبدك ظمآن فافعل، فإنّك تدرك بذلك أشرف المنازل، وتحلّ مع النبيّين، وتفرح بقدوم روحك الملائكة، ويصلّي عليك الجبّار.

وقال: أجيعوا أكبادكم، وأعروا أجسادكم لعلّ قلوبكم ترى الله عزّ وجل.

وفي حديث المعراج قال: قال: يا أحمد هل تعلم ميراث الصوم؟

قال: لا، قال: ميراث الصوم قلّة الأكل، وقلّة الكلام، ثمّ قال في ميراث الصمت: إنّها تورث الحكمة وهي تورث المعرفة، وتورث المعرفة اليقين، فإذا استيقن العبد لا يبالي كيف أصبح؟ بعسر أم بيسر؟ فهذا مقام الراضين؟

فمن عمل برضاي أُلزمه ثلاث خصال:

شكراً لا يخالطه الجهل، وذكراً لا يخالطه النسيان، ومحبّة لا يؤثر على محبّتي حبّ المخلوقين، فإذا أحبّني أحببته وحبّبته إلى خلقي، وأفتح عين قلبه إلى جلالي وعظمتي فلا أُخفي عنه علم خاصّتي خلقي، أُناجيه في ظلم الليل ونور النهار، حتّى ينقطع حديثه مع المخلوقين ومجالسته معهم، وأُسمعه كلامي وكلام ملائكتي وأُعرّفه سرّي الذي سترته من خلقي ـ إلى أن قال ـ:

وأستغرقنّ عقله بمعرفتي، ولأقومنّ له مقام عقله، ثمّ لأهوّننّ عليه الموت وسكراته، وحرارته وفزعه، حتى يساق إلى الجنّة سوقاً، فإذا نزل به ملك الموت يقول: مرحباً بك وطوبى لك ثمّ طوبى لك، إنّ الله إليك لمشتاق ـ إلى أن قال ـ يقول: هذه جنّتي فتبحبح فيها، وهذا جواري فاسكنه.

فيقول الروح: إلهي عرّفتني نفسك فاستغنيت بها عن جميع خلقك، وعزّتك وجلالك، لو كان رضاك في أن أُقطّع إرباً إرباً أو أُقتل سبعين قتلة بأشدّ ما يقتل الناس، لكان رضاك أحبّ إلي ـ إلى أن قال ـ فقال الله عزّ وجل: وعزّتي وجلالي لا أحجب بيني وبينك في وقت من الأوقات حتى تدخل عليّ أيّ وقت شئت، كذلك أفعل بأحبّائي.

أقول: في هذه الأخبار إشارة وتصريح بحكمة الجوع وفضيلته، وإن شئت أبسط من ذلك فانظر إلى ما ذكره علماء الأخلاق أخذاً من أخبار الباب من خواصّه وفوائده وقد ذكروا له فوائد عظيمة:

منها: صفاء القلب لأن الشبع يكثر البخار في الدماغ، فيعرضه شبه السكر، فيثقل القلب بسببه عن الجريان في الأفكار، وعن سرعة الانتقال، فيعمى القلب، الجوع بخلاف ذلك فيصير سبباً لصفاء القلب ورقّته، ويهيّئ القلب لإدمان الفكر الموصل إلى المعرفة، وله نور محسوس، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من أجاع بطنه عظمت فكرته، وقد سمعت مواريث المعرفة.

ومنها: الانكسار والذل، وزوال الأشر والبطر، والفرح الذي هو مبدأ الطغيان فإذا ذلّ النفس يسكن لربّه ويخشع.

ومنها: كسر سورة الشهوات والقوى التي تورث المعاصي وتوقع في الكبائر المهلكات لأنّ أغلب الكبائر تنشأ من شهوة الكلام، وشهوة الفرج، وكسر الشهوتين سبب للاعتصام من المهلكات.

ومنها: دفع النوم المضيّع للعمر الذي هو رأس مال الإنسان لتجارة الآخرة، وهو سبب لدوام السهر الذي هو بذر كلّ خير، ومعين للتهجّد الباعث لوصول المقام المحمود.

ومنها: تيسّر جميع العبادات من وجوه، أهونها قلّة الاحتياج إلى التخلّي وتحصيل الطعام، وقلّة الابتلاء بأمراض شتّى، فإنّ المعدة بيت الداء، والحمية رأس كلّ دواء، وكلّ ذلك محوج للإنسان لعروض الدنيا من مالها وجاهها اللذين فيهما هلك من هلك.

ومنها: التمكّن من بذل المال والإطعام والصلة والبرّ والحجّ والزيارة وبالجملة العبادات الماليّة كلّها.

أقول: هذه فوائد لا تحيط عقول البشر بتفصيلها، لا سيّما الفائدة الأولى، فإنّ الفكر في الأعمال بمنزلة النتيجة، وغيره بمنزلة المقدّمات فإنّه نفس السير، وغيره مقدّمات ومعدّات للسير، ولذا ورد فيه: “تفكّر ساعة خير من عبادة سبعين سنة”.

لماذا اختار الله تعالى لضيفه الجوع؟!..

إن أدراك ما للجوع من فوائد روحية وآثار جمة ينتج للصائم فوائد عظيمة:

منها: أن تعلم بالعلم القطعيّ وجه اختيار الله لضيفه الجوع لأنّه لا نعمة أنعم وأسنى من نعمة المعرفة والقرب واللقاء، والجوع من أسبابها القريبة.

وتعلم أنّ الصوم ليس تكليفاً بل تشريف يوجب شكراً بحسبه، وترى أنّ المنّة لله تعالى في إيجابه، وتعرف مكانة نداء الله لك في كتابه في آية الصوم وتلتذّ من النداء إذا علمت أنّه نداء ودعوة لك لدار الوصول، وتعلم أنّ الحكمة في تشريعه قلّة الأكل وتضعيف القوى وتضنّ أن تأكل في الليل ما تركته في النهار بل وأزيد.

ومنها: أنّك إذا عرفت شرف ما أُريد منه لك تجتهد في تصحيحه والاخلاص فيه لتسلم لك فوائده.

ومنها: أنّك إذا عرفت المراد من جعل الصوم وإيجابه تعرف بذلك ما يكدّره وما يصفيه وتعلم معنى ما ورد فيه من أنّ الصوم ليس من الطعام والشراب فقط، فإذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك حتّى ذكر في بعضها الجلد والشعر.

ومنها: أنّك تعرف أنّ النيّة بهذا العمل لا يليق أن يكون لدفع العقاب فقط، ولا يليق أن يكون لجلب ثواب جنّة النعيم وإن حصلا به، بل حقّ نيّة هذا العمل أنّه مقرّب من الله وموصل إلى قربه وجواره ورضاه، بل جعل هذا العمل لأنّ من جهة أنّه مخرج للانسان من أوصاف البهيمة ومقرّب إلى صفات الروحانيين نفس التقرّب.

صوم المقربين

وإذا عرفت ذلك تعرف بأيسر ما تفطّن أنّ كلّ ما يلحقك من الأحوال والأفعال والأقوال المبعّدة لك عن مراتب الحضور فهو مخالف لمراد مولاك من تشريفك بهذه الدعوة والضيافة، ولا ترضى أن تكون في دار ضيافة هذا الملك الجليل المنعم لك بهذا التشريف والتقريب، العالم بسرائرك وخطرات قلبك، غافلاً عنه وهو مراقب لك، ومعرضاً عنه وهو مقبل عليك، ولعمري إنّ هذا في حكم العقل من القبائح العظيمة التي لا يرضى العاقل أن يعامل صديقه بذلك، ولكن كان من رفق الله وفضله أنه لم يحرّم مثال هذه الغفلات، وسامح عباده وكلّفهم دون وسعهم هذا، ولكنّ الكرام من العبيد أيضاً لا يعاملون (ذلك) مع سيّدهم عند كلّ واجب وحرام بل يعاملونه بما يقتضيه حقّ السيادة والعبوديّة، ويعدّون من اقتصر بذلك من اللئام.

وبالجملة يعملون في صومهم بما وصى به الصادق عليه السلام وهي أمور: منها أن يكون حالك في صومك أن ترى نفسك مشرفاً للآخرة، ويكون حالك حال الخضوع والخشوع، والانكسار والذلّة، ويكون حالك حال عبد خائف من مولاه وقلبك طاهراً من العيوب، وباطنك من الحيل والمكر، وتتبرّأ إلى الله من كل ما هو دونه، تخلص في صومك ولايتك لله، وتخاف من الله القهّار حقّ مخافته، وتبذل روحك وبدنك لله عزّ وجلّ في أيّام صومك وتفرغ قلبك لمحبّته وذكره، وبدنك للعمل بأوامره وما دعاك إليه، إلى غير ذلك ممّا أوصى به من حفظ الجوارح من المحذورات والمخالفات، ولا سيّما اللسان، حتّى المجادلة واليمين الصادقة ثمّ قال في آخر الرواية: إن عملت بجميع ما بيّنت لك فقد علمت بما يحقّ على الصائم، وإن نقصت من ذلك فينقص من فضل صومك وثوابه بقدر ما نقصت ممّا ذكرت.

أقول: فانظر بما في هذه الوصايا من وظائف الصائم ثمّ تأمّل في تأثيراته فاعلم أنّ من يرى نفسه مشرفاً للآخرة، يخرج قلبه من الدنيا، ولا يهتمّ إلا بتهيئة زاد للآخرة، وهكذا إذا خضع قلبه وكان منكسراً وذليلاً بعد عن الفرح بغير الله والميل إليه، ومن بذل روحه وبدنه لله وتبرّأ من كلّ شيء دون الله يكون روحه وقلبه وبدنه وكلّه مستهتراً في ذكر الله ومحبّة الله، وعبادة الله، ويكون صومه صوم المقرّبين، رزقنا الله بحقّ أوليائه هذا الصوم ولو يوماً في عمرنا.

۱- مقتبس بتصرف من كتاب المراقبات، للميرزا جواد آغا الملكي التبريزي: ص ۱۲۰-۱۲۲٫

true
الملصقات: ,
true
true
true

يمكنك أيضا تسجيل تعليقك

- أكمل الخيارات المميزة بنجمة (*)
- البرید الإکتروني سیکون مشفرا و لن یظهر لأحد


false