×

القائمة العلوية

القائمة الرئيسية

للإختصار

أخبار الموقع

true
true

محتوى خاص

true
    الیوم:  الثلاثاء 12 صفر 1442   
true
false

أجمع فقهاء الشيعة الإمامية على عدم جواز السجود الا على الأرض او ما أنبتت ماعدا المأكول والملبوس، والمعروف بين غيرهم جواز السجود على القطن والكتان والصوف وغير ذلك، ولم يستثنوا شيئا في كتبهم الفقهية، وقد وافق فقهاء الشعة في الجملة جماعة من فقهاء الصحابة والتابعين منهم سعيد بن المسيب وابن سيرين وجابر بن زيد وعروة بن الزبير وغيرهم، ولتحقيق الحق في المسألة نعقد الكلام من خلال الأبحاث التالية:
المبحث الأول
في كلام من وافق الشيعة الإمامية ولو في الجملة
۱- قال الحافظ ابوبكر بن أبي شيبة في المصنف : حدثنا حاتم، عن هشام، عن أبيه، أنه كان يكره أن يسجد على شيء دون الأرض.(۱)
سند الخبر المتقدم
رجال الإسناد هم :
۱- حاتم بن اسماعيل، المدني، ابو اسماعيل، الحارثي. قال فيـه ابن سعـد: وكـان
ثقة مأمونا، كثير الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال العجلي: ثقة، ونقل عن النسائي أيضا أنه قال بشأنه: ليس بالقوي، وقال أحمد: هو أحب اليّ من الدارودي وزعموا أن حاتما فيه غفلة الا أن كتابه صالح.(۲) وقال ابن حجر: صحيح الكتاب، صدوق، يهم.(۳)
أقول:لاكلام في لزوم الإعتماد عليه عندهم، فقد احتج به البخاري ومسلم، وأكثر مسلم الرواية عنه.(۴)
۲- هشام بن عروة بن الزبير، الأسدي. قال فيه ابن حجر: ثقة، فقيه، ربما دلس.(۵)
۳- عروة بن الزبير،وهو من كبار فقهاء التابعين المعتمدين عند السنة، قال بشأنه ابن حجر: ثقة، فقيه، مشهور.(۶)
خبر آخر
۲- قال ابوعيسى الترمذي : حدثنا نصر بن علي، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أبي سعيد، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على حصير.
قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، الا أن قوما اختاروا الصلاة على الأرض استحبابا.(۷)
۳- وفي المدونة الكبرى : (( وكان مالك يكره أن يسجد الرجل على الطنافس. ))(۸)
وقال الحافظ ابو بكر بن أبي شيبة في المصنف: حدثنا هشيم، قال أخبرنا ابن عون، عن ابن سيرين قال: الصلاة على الطنفسة محدث.(۹)
وهذا الخبر صحيح على شرط البخاري ومسلم بلا اشكال، ولايضر كون هشيم من المدلسين لتصريحه بالسماع.
وقال ابن أبي شيبة أيضا : حدثنا عبدة، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: الصلاة على الطنفسة محدث.(۱۰)
أقول : ذكر الطريحي في مجمع البحرين أن الطنفسة هي البساط الذي له خمل رقيق وهي ماتجعل تحت الرحل على كتفي البعير.(۱۱) وقيل: مايجعل تحت الرحل يعني النمرقة.
وقد ذهب سعيد بن المسيب وهو أحد كبار التابعين حتى قال بشأنه علي بن المديني: لااعلم في التابعين أوسع علما منه(۱۲) وكذا ذهب ابن سيرين وهو من كبار فقهاء التابعين أيضا الى أن السجود على الطنافس من البدع والأمور المحدثة، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة كما في الخبر المتسالم عليه، وانما يكون من المحدثات اذا لم تتوفر فيه الضابطة التى تصحح السجود عليه كما لايخفى، فمقتضى ماذهبا اليه أن ضابطة جواز السجود غير متوفرة في الطنافس في نظهرهما، وذهب مالك الى كراهة السجود على الطنافس.
خبر آخر
۴- وقال ابوبكر بن أبي شيبة : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور وحصين، قال سفيان او أحدهما عن أبي حازم الأشجعي، عن مولاته عزة قالت: سمعت أبابكر ينهى عن الصلاة على البراذع.(۱۳)
وهذا الحديث صحيح على شرط البخاري ومسلم، بل من أفضل الاسانيد التى لاخلاف في وثاقة أحد من رواتها بوجه من الوجوه عند السنة.
قال الجوهري في الصحاح: البرذعة: الحلس الذي يلقى تحت الرحل.
أقول : والنهي ظاهر في الحرمة كما تقرر في أبحاث علم الأصول.
خبر آخر
۵- قال ابوبكر بن أبي شيبة : حدثنا وكيع، قال حدثنا سفيان، عن عبد الكريم، عن أبي عبيدة، قال: كان عبدالله يصلي ولايسجد الا على الأرض وما أنبتت.(۱۴)
أقول : وعبد الكريم هنا هو الجزري، وليس ابن أبي المخارق الضعبف، ويدل عليه مارواه الطبراني فيما سيأتي إنشاء الله تعالى.
۶- وقال ابن أبي شيبة أيضا : حدثنا وكيع، عن معقل بن عبيدالله، عن عبد الكريم الجزري، عن مجاهد، قال: لابأس بالصلاة على الأرض وما أنبتت.(۱۵)
واسناد الخبر صحيح على شرط مسلم.
۷- وقال أيضا : حدثنا زياد بن الربيع، عن صالح الدهان، أن جابر بن زيد كان يكره الصلاة على كل شيء من الحيوان، ويستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض.(۱۶)
وهذا الخبر وان كان اسناده ضعيف بصالح الدهان، ولكنه شاهد ومؤيد لما تقدم.
۸- قال الحافظ ابوالقاسم الطبراني : حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة، قال: كان ابن مسعود لايصلي، اوقال ولايسجد الا على الأرض.(۱۷)
أقول : وهذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم، وقد وقع الكلام في سماع أبي عبيدة من عبدالله بن مسعود، عن أبيه، الا أن الدارقطني قال: ابوعبيدة أعلم بحديث أبيه من حنيف بن مالك ونظرائه(۱۸)، ثم انه هنا لم ينقل سماعه من أبيه، بل نقل فعله، ومثل هذا الشيء اذا كانت في سيرة أحد فهي من الأمور الظاهرة التي لاتكاد تخفى.
۹- وروى الطبراني عن الثوري بالاسناد المتقدم، قال : قال الثوري، وأخبرني محمد بن ابراهيم أنه كان يقوم عن البردي ويسجد على الأرض، فقلنا: ما البردي؟ قال: الحصير.(۱۹)
قال الهيثمي في مجمع الزوائد : واسناده حسن.(۲۰)
أقول: بل السند عندهم في أعلى مراتب الصحة، وهو على شرط البخاري ومسلم وغيرهما، ومحمد هو ابن المنكدر روى عنه الثوري في مواضع كثيرة، وهو عندهم من كبار الثقات والأئمة المعروفين، واما ابراهيم فهو ابن يزيد النخعي أحد كبار الفقهاء المعتمدين عند السنة في القرن الأول الهجري، قال بشأنه الذهبي: الامام، الحافظ، فقيه العراق(۲۱)، وقال أيضا: وكان مفتي أهل الكوفة هو والشعبي في زمانهما، وكان رجلا صالحا، فقيها، متوقيا، قليل التكلف، وهو مختف عن الحجّاج.(۲۲)
۱۰- قال المباركفوري في تحفة الأحوذي : وقد روي عن زيد بن ثابت وأبي ذر وجابر بن عبدالله الأنصاري وعبدالله بن عمر وسعيد بن المسيب ومحكول وغيرهما من التابعين استحباب الصلاة على الحصير، وصرح ابن المسيب بأنها سنة، وممن اختار مباشرة الأرض من غير وقاية عبدالله بن مسعود، فروى الطبراني عنه أنه كان لايصلي ولايسجد الا على الأرض، وعن ابراهيم النخعي أنه كان يصلي على الحصير ويسجد على الأرض(۲۳)
۱۱- وقال سحنون المالكي في المدونة الكبرى فيما رواه عن ابن القاسم العتيقي عن مالك:
(( وقال مالك فيمن سجد على كور العمامة، قال: أحب اليّ أن يرفعـها عـن
بعض جبهته حتى يمس بعض جبهته الأرض.
قلت(۲۴) : فإن سجد على كور العمامة؟ قال: أكرهه، فإن فعل ذلك فلا إعادة عليه.
قال مالك ولا يعجبني أن يحمل الرجل الحصباء والتراب من موضع الظل الى موضع الشمس فيسجد عليه، قال: وكان مالك يكره أن يسجد الرجل على الطنافس وبسط الشعر(۲۵) والثياب، والأدم(۲۶)، وكان يقول : لابأس أن يقوم عليها ويركع عليها او يقعد عليها ولايسجد عليها ولايضع كفيه عليها، وكان لايرى بأسا بالحصباء وما أشبهه مما تنبت الأرض أن يسجد عليها، وأن يضع كفيه عليها. ))(۲۷)
وقال أيضا: وقال مالك : لايسجد على الثوب الا من حر اوبرد كتانا كان او قطنا.
قال ابن القاسم: قال مالك: وبلغني أن عمر بن الخطاب وعبدالله بن عمر كانا يسجدان على الثوب من الحر والبرد ويضعان أيديهما عليه. قلت(۲۸) لابن القاسم: فهل يسجد على اللبد والبسط من الحر والبرد؟ قال: ما سألنا مالكا عن هذا، ولكن مالكا كره الثياب وان كانت من قطن او كتان فهي عندي بمنزلة البسط واللبود، فقد وسع مالك أن يسجد على الثوب من حر اوبرد.
قلت: أفترى أن يكون اللبد بتلك المنزلة؟ قال: نعم.
قال: وقال مالك في الحصير يكون في ناحية منها قذر ويصلي الرجل على الناحية الأخرى؟ قال: لابأس بذلك. قال: وقال مالك: لابأس أن يقوم الرجل في الصلاة على أحلاس الدواب التي قد حلست به اللبود التي تكون في السروج ويركع عليها ويسجد على الأرض، ويقوم على الثياب والبسط وما أشبه ذلك، والمصليات وغير ذلك، ويسجد على الخمرة والحصير وما أشبه ذلك ويضع يديه على الذي يضع عليه جبهته.(۲۹)
۱۲- قال ابن قدامة: وقد روى الأثرم قال: سألت أباعبدالله(۳۰) عن السجود على كور العمامة، فقال: لايسجد على كورها، ولكن يحسر العمامة، قال ابن قدامة: وهذا يحتمل المنع، وهو مذهب الشافعي.(۳۱)
۱۳- قال الحافظ ابوبكر بن أبي شيبة : حدثنا الثقفي، عن أيوب، عن محمد، قال: السجود على الوسادة محدث.(۳۲)
وهذا اسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم وبقية أصحاب السنن عن ابن سيرين.
۱۴- وقد وردت أقوال كثيرة عن جملة من الصحابة والتابعين في النهي عن السجود على كور العمامة، نذكر طرفا منها، فمنها ما أخرجه ابوبكر بن أبي شيبة حيث قال: حدثنا وكيع، عن سكن بن أبي كريمة، عن محمد بن عبادة، عن محمود بن ربيع، عن عبادة بن الصامت أنه كان إذا قام الى الصلاة حسر العمامة عن جبهته.(۳۳)
وقال أيضا : عن اسرائيل، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن علي(( ع )) قال: إذا صلى أحدكم فليسحسر العمامة عن جبهته.(۳۴)
وقال أيضا : حدثنا اسماعيل بن علية، عن أيوب، عن نافع قال: كان ابن عمر لايسجد على كور العمامة.(۳۵)
وقال أيضا :حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد(۳۶)، قال: أصابتني شجة فعصبت عليها عصابة، فسألت أباعبيدة: أسجد عليها؟ قال: لا.(۳۷)
وقال أيضا : حدثنا وكيع، عن يزيد بن ابراهيم، عن ابن سيرين أنه كره السجود على كور العمامة.(۳۸)
وقال أيضا : حدثنا ابن مهدي، عن حمّاد بن سلمة، عن هشام، عن ابيه(۳۹) في المعتم؟ قال: يمكن جبهته من الأرض.(۴۰)
وقال أيضا : حدثنا ابن فضيل، عن حصين، عن هلال بن يساف، عن جعدة بن هبيرة، أنه رأى رجلا يسجد وعليه مغفـرة وعمـامـة قـد غطـى بهـا وجهـه،
فأخذ بمغفرته وعمامته فألقاهما من خلفه.(۴۱)
وقد وردت روايات في السجود على اللوح فوق الوسادة وهي روايات مهمة، منها ما أخرجه ابوبكر بن أبي شيبة حيث قال: حدثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن مالك بن عمير، قال: حدثنى من رأى حذيفة مرض، فكان يصلي وقد جعل له وسادة وجعل له لوح يسجد عليه.(۴۲)
وقال أيضا: حدثنا ابن عيينة، عن رزين مولى آل عباس، قال: أرسل اليّ علي بن عبدالله بن عباس: أن ارسل اليّ بلوح من المروة أسجد عليه.(۴۳)
وقال البيهقي : أخبرنا ابو عبدالله، أنبأنا أبوبكر، أنبأنا عبدالله بن محمد، حدثنا هناد، حدثنا عبدة، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، أن ابن عمر كان إذا سجد وعليه العمامة يرفعها حتى يضع جبهته بالأرض.(۴۴)
فصل
في تلخيص مذاهب الفقهاء في المسألة
ومما يناسب المقام بالإشارة اليه بيان اختلاف الفقهاء في جواز السجود على الكم واليد وكور العمامة ونحو ذلك، فقد أجمع الامامية كما تقدم على عدم جواز ذلك حال الإختيار، وأما سائر المذاهب، فقال النووي في المجموع :
(( فرع في مذاهب العلماء في السجود على كمه وذيله ويده وكـور عمامتـه
وغير ذلك مما هو متصل به، قد ذكرنا أن مذهبنا(۴۵) أنه لايصح السجود على شيء من ذلك، وبه قال داود(۴۶) في رواية، وقال مالك والأوزاعي واسحاق وأحمد في الرواية الأخرى يصح. ))(۴۷)
وقال أيضا : (( إذا سجد على كور عمامته او كمه ونحوهما فقد ذكرنا أنّ سجوده باطل، فإن تعمده مع علمه بتحريمه بطلت صلاته، وإن كان ساهيا لم تبطل، لكن يجب إعادة السجود، هكذا صرح به أصحابنا منهم ابو محمد في التبصرة. ))(۴۸)
خلاصة ماتقدم :
وقد تبين مما تقدم أمور :
۱- ذهب عروة بن الزبير الى كراهة السجود على غير الأرض.
۲- وذهب جماعة من الفقهاء الى استحباب السجود على الأرض كما نقل الترمذي.
۳- وذهب مالك الى كراهة السجود على الطنافس.
۴- وذهب سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين الى أن السجود على الطنافس من الأمور المحدثة، ومقتضى كلامهما حرمة السجود عليه، لعدم توفرد ملاك صحة السجود عليه فيه.
۵- وكان ابوبكر يذهب الى حرمة السجـود على البراذع كما يقتضيـه ظـاهـر
النهي.
۶- وروى صالح الدهان عن أبي الشعثاء جابر بن زيد أنه كان يذهب الى كراهة السجود على ماكان متخذا من الحيوان، وأنه يستحب السجود على ما أنبتت الأرض.
۷- وكان عبدالله بن مسعود لايسجد الا على الأرض، والقدر المتيقن من ذلك هو الاستحباب في نظره.
۸- وكان ابراهيم النخعي يصلي على الحصير ويسجد على الأرض، والقدر المتيقن من ذلك هو الاستحباب في نظره.
۹- وروي عن أبي ذر وجابر بن عبدالله وزيد بن ثابت وعبدالله بن عمر من الصحابة وعن ابن المسيب ومحكول وغيرهما من التابعين استحباب الصلاة على الحصير وصرح ابن المسيب أن ذلك سنة.
۱۰- وذهب الشافعية وهو احدى الروايتين عن أحمد بن حنبل الى عدم جواز السجود على كور العمامة والكم واليد ونحوها مما هو متصل بالمصلي، وانه ان سجد على ذلك عامدا عالما بالحكم بطلت صلاته، وان كان سهوا لزمه اعادة السجود، وهو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين، والى هذا ذهب ابن حزم في المحلى.(۴۹)
۱۱- وذهب مالك الى كراهة السجود على الثياب وان كانت متخذة من القطن او الكتان وعلى كور العمامة وبساط الشعر وان كان يرى أن لو صلى على هذه الأمور صحت صلاته.
۱۲- وذهب ابن القاسم العتيقي المالكي الى كراهة السجود على اللبد والبساط
الحاقا بالثياب.
۱۳- وذهب محمد بن سيرين مضافا لماتقدم الى كون السجود على الوسادة من الأمور المحدثة المبتدعة.
۱۴- وكان حذيفة بن اليمان يضع أثناء مرضه خشبا فوق الوسادة وظاهره على الأقل أفضلية السجود على الخشب من السجود على الوسادة، والى هذا كان يذهب علي بن عبدالله بن عباس.
۱۵- وكان ابوعبيدة بن عبدالله بن مسعود يرى عدم جواز السجود على العصابة بمقتضى ظاهر النهي.
وهذه كلها شواه مؤيدة لما ذهب له الشيعة الإمامية.

المبحث الثاني
في أدلة عدم جواز السجود على المأكول والملبوس
أما بالنسبة للشيعة الإمامية، فذلك مما أجمعوا عليه، بل هو من ضروريات مذهبهم، وقد وردت بشأن ذلك من طرقهم روايات كثيرة صحيحة، ولاحاجة لذكرها بعد وضوح ذلك من مذهب الإمامية، وأما بالنسبة لما ورد في كتب السنة، فيمكن أن يستدل بما يلي:
۱- ما أخرجه عدة من الحفاظ منهم أحمد بن حنبل والنسائي والبيهقي، قال أحمد بن حنبل: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا سعيد، عن جابر بن عبدالله، قال: كنا نصلي مع رسول الله (( ص )) صلاة الظهر وآخذ بيدي قبضة من حصى فأجعلها في يدي الأخرى حتى تبرد، ثم أسجد عليها من شدة الحر.
قال عبد الله بن أحمد : وكان في كتاب أبي : سعيد عن أبي سعيد الخدري، فضرب عليه، لأنه خطأ، وانما هو سعيد بن الحارث، أخطأ بن بشر.(۵۰)
وقال أحمد بن حنبل أيضا : حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا عبّاد بن عبّاد، عن محمد بن عمرو، عن سعيد بن الحارث الأنصاري، عن جابر بن عبدالله قال: كنت أصلي مع رسول الله (( ص )) الظهر فآخذ قبضة من حصى في كفي لتبرد حتى أسجد عليه من شدة الحر.(۵۱)
وقال النسائي : أخبرنا قتيبة، قال حدثنا عبّاد، عن محمد بن عمرو، عن سعيد بن الحارث، عن جابر بن عبدالله قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه (( وآله )) وسلم فآخذ قبضة من حصى في كفي أبرده، ثم أحوله في كفي الآخر، فإذا سجدت وضعته لجبهتي.(۵۲)
والخبر أورده البيهقي في سننه ثم قال: ولو جاز السجود على ثوب متصل به لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى في الكف ووضعها للسجود عليها، وبالله التوفيق.(۵۳)
أقول :هذا الحديث صحيح الاسناد على شرط البخاري ومسلم وبقية أصحاب السنن، وتقريب الإستدلال به: هو أن جابر بن عبدالله الأنصاري رضوان الله تعالى عليه يحكي عن صلاته مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف كانت، فذكر أنه كان يبرد الحصى فيأخذ قبضة في كفه ثم يحولها الى كفه الأخرى لتبرد حتى يسجد عليها، وذلك بسبب شدة الحر، ولو كان من الجائز أن يسجد على الثياب والبساط ونحوهما لما كان من حاجة الى ذلك، ولصلى جابر بن عبدالله الأنصاري (( رض )) على شيء من تلك الأمور لكون أسهل منه، بل لو كان يجوز السجود على تلك الأمور لما كان هناك أي دافع عقلائي لتبريد الحصى وتحمل العناء لاجله، فتبريد الحصى يدل على عدم جواز السجود على اللباس ونحوه مما كان السجود عليه أسهل، وقد استدل به البيهقي انتصارا لمذهبه على عدم جواز السجود على الثوب المتصل به، وان كان الأولى أن يستدل به على عدم جواز السجود على الثوب مطلقا وكذا الفرش ونحوهما مما كان متوفرا في تلك الأزمنة، وليس من المعلوم أن جابر بن عبدالله الأنصاري كان يرتدي ثوبا واسعا بحيث يتمكن من السجود عليه حال لبسه حتى يتم استدلال البيهقي بالخبر المتقدم.
خبر آخر
۲- ومما يمكن أن يستدل به على ماذكرنا مارواه جملة من الحفاظ منهم مسلم في صحيحه وأحمد بن حنبل والنسائي والحميدي وعبدالرزاق الصنعاني والطبراني وغيرهم.
قال مسلم في صحيحه : وحدثنا أبوبكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو ألأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب، عن خباب، قال: شكونا الى رسول الله (( ص )) الصلاة في الرمضاء فلم يشكنا ، ورواه من طريق آخر في صحيحه أيضا(۵۴)
ونحو ذلك أخرج الخبر جملة من الحفاظ(۵۵)، وقد روي الخبر بلفظ آخر فيما أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، قال: حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، حدثنا إبراهيم بن الحجاج السامي، حدثنا وهيب، عن محمد بن جحادة، عن سليمان بن أبي هند، عن خباب، قال: شكونا الى النبي(( ص )) شدة الحر في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا.(۵۶) وأخرجه البيهقي بنفس الإسناد.(۵۷)
وقال البيهقي أيضا : أخبرنا أبوعبدالله الحافظ، حدثنا ابوبكر بن إسحاق الفقيه، أنبأنا الحسن بن علي بن زياد، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا عيسى بن يونس، عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن وهب عن خباب بن الأرت قال: شكونا الى رسول الله صلى الله عليه (( وآله )) وسلم شدة الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا.(۵۸)
وهذا الخبر بالسند الذي أخرجة الطبراني جميع رجاله على شرط مسلم سوى سليمان بن أبي هند وقد ذكره ابن حبان في الثقات.(۵۹) ولم يذكره أحد بالجرح، الا أن الإنصاف ان الاعتماد على ما انفرد به ابن حبان من التوثقيات في غاية الإشكال، لأنه بنى ذلك على أصالة العدالة كما صرح بذلك في مقدمة كتاب الثقات، ولهذا اعترض الحـافـظ ابـن حجـر في مقـدمة لسـان الميـزان على قبـول
ما انفرد به.
خبر آخر
۳- قال الحافظ ابويعلى الموصلي في مسنده : حدثنا سريج بن يونس، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا غالب، عن بكر بن عبدالله، عن أنس، قال: كنا نصلي مع رسول الله(( ص )) في شدة الحر، فيأخذ أحدنا الحصى في يده، فإذا برد وضعه وسجد عليه.(۶۰)
وأخرجه البيهقي بالاسناد عن أبي يعلى في سننه.(۶۱)
خبر آخر
۵- وهو الخبر المتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ))
وهذا الخبر رواه عدد كبير من الحفاظ منهم البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وابوداود والترمذي وأحمد بن حنبل والدارمي والحاكم وابن حزم والبيهقي والبزار وابوداود الطيالسي وابوبكر بن أبي شيبة وابن عدي وابن حبان وعبد بن حميد وغيرهم(۶۲)
وقد روى هذا الخبر عدة من الصحابة منهم أبوذر الغفاري وحذيفة بن اليمان وجابر بن عبدالله الأنصاري وعبدالله بن عباس وأبوموسى الأشعري وابو هريرة وغيرهم.
وهذا الحديث يدل على كون الأرض موضعا للسجود، ولايدل على نفي ماعدا الأرض، الا أنه بضمية عدة من القرائن يدل على عدم جواز السجود الا على الأرض وما أنبتت ماعدا المأكول والملبوس.
وهذه القرائن عبارة عن شهادة عدة من التابعين ممن لقي الجيل المعاصر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن السجود على عدة أمور مما عدا الأرض وما أنبتت من البدع المحدثة التي لم تكن في عهد النبوة فقد ذهب محمد بن سيرين وسعيد المسيب الى أن السجود على الطنافس من الأمور المحدثة، وذهب مالك الى كراهة ذلك، وذهب محمد بن سيرين الى أن السجود على الوسادة من الأمور المحدثة المبتدعة، وانما ذهب لذلك لعدم توفر ملاك صحة السجود على الطنافس والوسادة، والا لم يكن من البدع، مضافا لقرائن أخرى منها ماذهب له أبوبكر من حرمة السجود على البراذع بمقتضى ظاهر النهي كما تقدم، وماكان يصنعه ابراهيم النخعي ومن كبار فقهاء السنة من التابعين من الصلاة على الحصير، ولكنه مع ذلك لم يكن يسجد على الحصير بل على الأرض، وماصنعه حدذيفة بن اليمان أثناء مرضه من وضع الخشب على الوسادة والسجود عليه، وماذهب له ابوعبيدة بن عبدالله بن مسعود الى عدم جواز السجود على العصابة الى غير ذلك من الشواهد المتقدمة حسب التتبع اليسير للمصادر، وهذه القرائن والروايات قرائن قطعية يعضد بعضها بعضا تدل على مابينه أهل بيت الوحي صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهو مذهب الشيعة الإمامية من عدم جواز السجود على غير الأرض وما أنبتت، ووافقهم في الجملة جماعة من فقهاء السنة كما اتضح مما تقدم، وعلى الأقل وافقهم جماعة على استحباب السجود على الأرض والسجود على الحصير وكراهة السجود على الطنافس او ماكان متخذا من الحيوان مطلقا وحرمة السجود على كور العمامة الى غير ذلك مما تقدم بيانه.
——————————————————————————–
(۱) المصنف لابن أبي شيبة ج۱ ص۳۵۳ ح۴۶۲٫
(۲) تهذيب التهذيب ج۲ ص۱۱۱ رقم۲۰۹٫
(۳) تقريب التهذيب ص۱۴۴ رقم۹۹۴٫
(۴) راجع : رجال صحيح البخاري للكلاباذي ج۱ ص۲۰۳ رقم۲۶۴، رجال صحيح مسلم لابن منجويه ج۱ ص۱۷۴ رقم۳۵۶٫
(۵) تقريب التهذيب ص۵۷۳ رقم۷۳۰۲٫
(۶) تقريب التهذيب ص۳۸۹ رقم۴۵۶۱٫
(۷) سنن الترمذي ج۲ ص۱۵۳ ح۳۳۲٫
(۸) المدونة الكبرى ج۱ ص۷۵٫
(۹) المصنف لابن أبي شيبة ج۱ ص۳۵۲ ح۴۰۵۶٫
(۱۰) المصنف لابن أبي شيبة ج۱ ص۳۵۲ ح۳۰۵۷٫
(۱۱) مجمع البحرين ج۳ ص۶۳٫
(۱۲) تقريب التهذيب ص۲۴۱ رقم۲۳۹۶٫
(۱۳) المصنف لابن أبي شيبة ج۱ ص۳۵۳ ح۴۰۵۹٫
(۱۴) المصنف لابن أبي شيبة ج۱ ص۳۵۳ ح
(۱۵) المصنف لابن أبي شيبة ج۱ ص۳۵۳ ح۴۰۶۰٫
(۱۶) المصنف لابن أبي شيبة ج۱ ص۳۵۳ ح۴۰۵۸٫
(۱۷) المعجم الكبير للطبراني ج۹ ص۲۵۵ ح۹۲۶۳٫
(۱۸) تهذيب التهذيب ج۵ ص۶۶ رقم ۱۲۱٫
(۱۹) المعجم الكبير للطبراني ج۹ ص۲۵۵ ح۹۲۶۴٫
(۲۰) مجمع الزوائد ج۲ ص۵۷٫
(۲۱) سير أعلام النبلاء ج۴ ص۵۲۰ رقم۲۱۳٫
(۲۲) سير أعلام النبلاء ج۴ ص۵۲۱٫
(۲۳) تحفة الأحوذي ج۲ ص۲۴۹ شرح حديث ۳۳۱٫
(۲۴) القائل هو عبد الرحمن بن القاسم.
(۲۵) وهو البساط المتخذ من صوف الحيوانات.
(۲۶) وهو المتخذ من البعير الأبيض.
(۲۷) المدونة الكبرى ج۱ ص۷۴٫
(۲۸) القائل هو سحنون التنوخي.
(۲۹) المدونة الكبرة ج۱ ص۷۵٫
(۳۰) يقصد به أحمد بن حنبل.
(۳۱) المغني لابن قدامة ج۱ ص۵۵۷٫
(۳۲) المصنف لابن أبي شيبة ج۱ ص۲۴۴ ح۸۰۸٫
(۳۳) المصنف لابن أبي شيبة ج۱ ص۲۴۰ ح۲۷۵۵٫
(۳۴) المصنف لابن أبي شيبة ج۱ ص۲۴۰ ح۲۷۵۶٫
(۳۵) المصنف لابن أبي شيبة ج۱ ص۲۴۰ ح۲۷۵۷٫
(۳۶) هو ابن سيرين الفقيه المعروف.
(۳۷) المصنف لابن أبي شيبة ج۱ ص ۲۴۰ ح۲۷۵۸٫
(۳۸) المصنف لابن أبي شيبة ج۱ ص۲۴۰ ح۲۷۶۳٫
(۳۹) وهو عروة بن الزبير.
(۴۰) المصنف لابن أبي شيبة ج۱ ص۲۴۰ ح۲۷۶۴٫
(۴۱) المصنف لابن أبي شيبة ج۱ ص۲۴۰ ح۲۷۶۶٫
(۴۲) المصنف لابن أبي شيبة ج۱ ص۲۴۶ ح۲۸۳۳٫
(۴۳) المصنف لابن أبي شيبة ج۱ ص۲۴۶ ح۲۸۳۴٫
(۴۴) السنن الكبرى للبيهقي ج۲ ص۱۰۵٫
(۴۵) وهو مذهب الشافعية.
(۴۶) هو ابن علي الإصبهاني، مؤسس المذهب الظاهري.
(۴۷) المجموع في شرح المهذب ج۳ ص۳۲۵٫
(۴۸) المجموع ج۳ ص۴۲۴٫
(۴۹) المحلى بالآثار ج۲ ص۲۹۶ مسألة ۳۶۹٫
(۵۰) مسند أحمد ج۱ ص۷۷ ح۱۴۵۱۳٫
(۵۱) مسند أحمد ج۱ ص۷۷ ح۱۴۵۱۴٫
(۵۲) سنن النسائي ج۲ ص۲۰۴٫
(۵۳) السنن الكبرى للبيهقي ج۲ ص۱۰۵٫
(۵۴) صحيح مسلم بشرح النووي ج۵ ص۱۲۱٫
(۵۵) راجع مسند أحمد ج۷ ص۴۴۹ ح۲۱۱۰۸، مسند الحميدي ج۱ ص۸۳ ح۱۵۲، سنن النسائي، المعجم الكبير للطبراني ج۴ ص۷۲ ح۳۶۷۶، ۳۶۷۷، ۳۶۷۸، ص۷۴ ح۳۶۸۶، ص۷۹ ح۳۶۹۸، ۳۶۹۹، ۳۷۰۰ (الى) ۳۷۰۳٫
(۵۶) المعجم الكبير للطبراني ج۴ ص۸۰ ح۳۷۰۴٫
(۵۷) السنن الكبرى للبيهقي ج۲ ص۱۰۷٫
(۵۸) السنن الكبرى للبيهقي ج۲ ص۱۰۴، ۱۰۵٫
(۵۹) كتاب الثقات لابن حبان ج۴ ص۳۰۴٫
(۶۰) مسند أبي يعلى الموصلي ج۴ ص۱۶۸ ح۴۱۴۱٫
(۶۱) السنن الكبرى ج۲ ص۱۰۶٫
(۶۲) راجع : فتح الباري ج۱ ص۵۷۴ ح۳۳۵ وص۷۰۱ ح۴۳۸، صحيح مسلم بشرح النووي ج۵ ص۴، ۵، ۶، المنتخب من مسند عبد بن حميد ص۳۴۹ ح۱۱۵۴، سنن ابن ماجة ج۱ ص۱۸۸ ح۵۶۷، مجمع الزوائد ج۱ ص۷۲، كنز العمال ج۱۱ ص۱۴۲ ح۳۱۹۳۲، مسند أحمد ج۱ ص۵۳۹ ح۲۲۵۶، ص۶۴۵ ح۲۷۴۲، ج۵ ص۳۱ ح۱۴۲۶۸، ج۷ ص۱۷۳ ح۱۹۷۵۶، ج۸ ص۷۲ ح۲۱۳۷۲، ص۹۹ ح۲۱۴۹۱، المحلى لابن حزم ج۱ ص۳۴۷ مسألة ۲۲۷، ج۲ ص۳۴۲ مسألة ۳۹۲، السنن الكبرى للبيهقي ج۲ ص۴۳۳، ۴۳۴، ج۱ ص۲۱۲، ۲۱۳، ۲۲۲، مسند أبي داود الطيالسي ص۶۴ ح۴۷۲، وغير ذلك من المصادر التي هي في غاية الكثرة.

true
الملصقات:

هذا الخبر لا یحتوي علی کلمات مفتاحیة.

true
true
true

يمكنك أيضا تسجيل تعليقك

- أكمل الخيارات المميزة بنجمة (*)
- البرید الإکتروني سیکون مشفرا و لن یظهر لأحد


false