×

القائمة العلوية

القائمة الرئيسية

للإختصار

أخبار الموقع

true
true

محتوى خاص

true
    الیوم:  السبت 17 ربيع الثاني 1441   
true
false

قال القفاري: «والفضائل الواردة في حق علي رضي الله عنه ليست من ألفاظ النصوص والوصايا والاستخلاف، لا في لغة العرب ولا في عرفهم ولا في شريعة الإسلام ولا في عقول العقلاء، إنما هي فضائل أدخلها هؤلاء في الدعاوى. وقد قام ابن حزم بحصر الأحاديث الواردة في فضائل علي فقال: وأما الذي صح من فضائل علي فهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبيّ بعدي)… وهذا لا حجة فيه للرافضة».
وقال نقلاً عن ابن حزم أيضاً ـ حيث اكتفى القفاري بشبهته هذه بما ذكره ابن حزم، لذلك ذكر التفاصيل ـ في حاشية كتابه: «يقول ابن حزم في إثبات ذلك: وهذا لا يوجب له فضلاً على من سواه ولا استحقاق الإمامة بعده×؛ لأنّ هارون لم يل أمر بني إسرائيل بعد موسى×، وإنّما ولي الأمر بعد موسى× يوشع بن نون، فتى موسى وصاحبه الذي سافر معه في طلب الخضر عليهما السلام، كما ولي الأمر بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة.
وإذا لم يكن علي نبياً كما كان هارون نبياً، ولا كان هارون خليفة بعد موت موسى على بني إسرائيل، فصح أن كونه ـ رضي الله عنه ـ من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بمنزلة هارون من موسى إنما هو في القرابة فقط.
وأيضاً فإنما قال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذا القول إذ استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، فقال المنافقون: استقله (كذا في الأصل المحقق من الفصل، ولعلها استثقله) فخلفه، فلحق علي برسول الله (صلى الله عليه وسلم) فشكى ذلك إليه، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حينئذ: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى)، يريد× أنه استخلفه على المدينة مختاراً لاستخلافه، ثم قد استخلف× قبل تبوك وبعد تبوك على المدينة في أسفاره رجالاً سوى علي رضي الله عنه، فصح أن هذا الاستخلاف لا يوجب لعلي فضلاً على غيره، ولا ولاية الأمر بعده، كما لم يوجب ذلك لغيره من المستخلفين).
وتشبيه علي بهارون ليس بأعظم من تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى، وتشبيه عمر بنوح وموسى كما روى ذلك الإمام أحمد في مسنده: ج۱ ص۳۸۳ ح۳۶۳۲، والحاكم في مستدركه: ج۳ ص۲۱ـ ۲۲، وروى الترمذي في كتاب الجهاد طرفاً منه: ج۴ ص۲۱۳٫
فإن هؤلاء الأربعة أفضل من هارون، وكل من أبي بكر وعمر شبه باثنين لا بواحد، فكان هذا التشبيه أعظم من تشبيه علي، مع أن استخلاف علي له فيه أشباه وأمثال من الصحابة، وهذا التشبيه ليس لهذين فيه شبيه، فلم يكن الاستخلاف من الخصائص، ولا التشبيه بنبي في بعض أحواله من الخصائص» ناصر بن عبد الله القفاري، أصول مذهب الشيعة: ج۲ ص۸۳۰ـ ۸۳۲، الناشر: دار الرضا ـ الجيزة.
أساسيات الشبهة
بناءً على ما ذكرناه فإن الشبهة ترتكز على الأمور التالية:
۱ـ إن حديث المنزلة لا يوجب فضلاً ولا استحقاقاً للإمامة، وذلك للأسباب التالية:
أ ـ إن النبي’ استخلف على المدينة غير علي× في ظروف مختلفة، فلا يوجب استخلافه فضلاً ولا ولاية أمر، كما لم يوجب لغيره.
ب ـ إن النبي’ استخلف علياً× على المدينة وقال له ما قال؛ تسليةً له عندما عاب عليه المنافقون البقاء مع النساء والصبيان.
ج ـ إن هارون× لم يل أمر بني إسرائيل وإنما تولى الأمر يوشع بن نون، فلا تكون المنزلة المذكورة في الحديث إلا في القرابة فقط.
۲ـ تشبيه علي× بهارون ليس بأعظم من تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى× وتشبيه عمر بنوح وموسى‘، بل هذا أعظم، فليس التشبيه ببعض الأنبياء من خصائص علي×.
وللرد على ما تقدم نبرز الأجوبة التالية:
الجواب الأول
حديث المنزلة صحيح سندا وواضح دلالة
في البداية لابد أن نشير إلى أن حديث المنزلة من الأحاديث التي أجمع العلماء على صحتها، ويكفي في صحته أنه ورد ذكره في صحيح مسلم والبخاري، ولذا لم يتعرض القفاري إلى طريق الحديث وسنده.
إذن فالبحث مع القفاري في حديث المنزلة يتحدد بالجانب المضموني، وهو دلالة الحديث على إثبات فضيلة عظيمة للإمام علي×، وهي الخلافة والإمامة والولاية بعد الرسول الأكرم’، وأن هذا الأمر من خصائصه×.
ولكي يتضح الجواب أكثر عن الشبهة في المجال المضموني، لابد من التسلسل في الجواب ضمن الأمور التالية:
أولاً: اختلاف مناسبات ومضامين الحديث يدلّ على الفضل والخلافة
بعد أن كان حديث المنزلة من الأحاديث الثابتة، فإنه من الصعب استقصاء ألفاظ الحديث ومتونه والمجامع الحديثية التي ورد فيها الحديث، ولكن نحاول الاقتصار على ذكر بعض ألفاظه الصحيحة والصريحة في الدلالة على مقام الخلافة والولاية والإمامة بعد رسول الله’:
۱ـ تتبع وتثبت سعيد بن المسيب من صحة حديث المنزلة
أخرج مسلم في صحيحه عن يحيى بن يحيى، عن سعيد بن المسيب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، قال: «قال رسول الله’ لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، قال سعيد: فأحببت أن أشافه بها سعداً، فحدثته بما حدثني عامر، فقال: أنا سمعته، فقلت: أنت سمعته؟ فوضع إصبعيه على أذنيه، فقال: نعم، وإلا فاستكّتا فاستكّتا: أي صمّتا.» مسلم النيسابوري، صحيح مسلم: ج۷ ص۱۲۰ ح۶۱۱۱، الناشر: دار الفكر ـ بيروت. ، وقد أخرج هذا المضمون من الحديث البخاري أيضاً في صحيحه بألفاظ أخرى البخاري، صحيح البخاري: ج۴ ص۲۰۸ ح۳۷۰۶، ج۵ ص۱۲۹ح۴۴۱۶، الناشر: دار الفكر ـ بيروت.
وهذا الدليل كما هو واضح غير مقيد بغزوة تبوك، بل هو مطلق، وتقييده بذلك يحتاج إلى الدليل، مما يعني أن الحديث قد صدر أكثر من مرة، كما أن تتبع ابن المسيب للحديث والتثبت من صدوره عن النبي’ وتوجيه سؤاله إلى سعد بن أبي وقاص مرة أخرى بنحو التعجب، وتأكيد سعد لسماعه الحديث من النبي’ مباشرة بوضع أصبعيه على أذنيه، وقوله: «نعم وإلا فاستكّتا» كل ذلك واضح الدلالة على أن الصحابة والتابعين قد فهموا من الحديث إثبات فضيلة ومزية خاصة لعلي× تميّز بها على سائر الصحابة، ولو لم يكن في الحديث فضل اختص به علي× فما هو الداعي لكل ما قام به ابن المسيب من التأكيد والتثبّت.
۲ـ سعد بن أبي وقاص يفهم حديث المنزلة بأنه فضيلة عظيمة
أخرج مسلم في صحيحه أيضاً عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، قال: «أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسبّ أبا التراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله فلن أسبّه؛ لئن تكون لي واحدة منهن أحبّ إليّ من حمر النعم، سمعت رسول الله’ يقول له، خلفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله! خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله’: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي علياً، فأتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية: {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ} دعا رسول الله’ علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللهم هؤلاء أهلي» مسلم النيسابوري، صحيح مسلم: ج۷ ص۱۲۰ ح۶۱۱۴٫
لقد توفر هذا الحديث على جهات كثيرة، كلها صريحة في أن حديث المنزلة جاء لإثبات فضيلة عظيمة تميز بها الإمام علي× على الصحابة، نشير إلى بعضها:
أـ قول سعد: «لئن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم»، فإن هذه العبارة صريحة في أن سعداً فهم من حديث المنزلة فضيلة لعلي× يفتقدها هو وغيره من الصحابة، ويرى سعد أيضاً أن تلك المنزلة لا يمكن أن تقارن بأموال الدنيا وكنوزها.
ب ـ لقد قرن سعد في الفضل حديث المنزلة بحديث دفع الراية يوم خيبر وقضية المباهلة، ولا شك أن حديث دفع الراية «لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» قد فهم منه الصحابة منزلة وفضيلة عظيمة لعلي×، حتى تطاولوا للحصول عليها، وقد قال عمر بن الخطاب (رض) في تلك اللحظة: «ما أحببت الإمارة إلا يومئذ» مسلم النيسابروي، صحيح مسلم: ج۷ ص۱۲۰ ح۶۱۱۶٫، وقال أيضاً: «فتساورت لها رجاء أن أدعى لها» مسلم النيسابوري، صحيح مسلم: ج۷ ص۱۲۰ ح۶۱۱۶٫، وحديث المنزلة جاء في سياق هذه الفضيلة العظيمة التي تطاول لنيلها عمر (رض) وغيره من الصحابة، ولم يحظ بها إلا علي×، فكان خليقاً بالإمارة حتى فتح الله تعالى على يديه، كما أن تلك الفضيلة نستكشفها أيضاً من إدراج حديث المنزلة في سياق آية المباهلة وقول النبي’: «اللهم هؤلاء أهلي».
وبناءً على هذا يتضّح أن ما ذكره القفاري من أن حديث المنزلة لا يوجب فضلاً باطل، وليس هو إلا إنكاراً لما هو ثابت بالقطع واليقين.
۳ـ لفظ الخلافة والولاية في حديث المنزلة
أخرج أحمد في مسنده أيضاً عن ابن عباس في حديث طويل، جاء فيه قول النبي’ لعلي×: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي، إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي… أنت وليي في كل مؤمن بعدي… الحديث» أحمد بن حنبل، المسند: ج۱ ص۳۳۱، الناشر: دار صادر ـ بيروت.
قال الهيثمي في الزوائد في تعليقه على الحديث: «رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط باختصار، ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج الفزاري وهو ثقة وفيه لين» الهيثمي، مجمع الزوائد: ج۹ ص۱۲۰، الناشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت.
وفي لفظ آخر في كتاب ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم عن ابن عباس، قال: «قال رسول الله’ لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست نبياً، إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي في كل مؤمن من بعدي».
قال الألباني في تقييمه لطريق الحديث: «إسناده حسن» ابن أبي عاصم، كتاب السنة ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة بقلم محمد بن ناصر الألباني: ۵۵۱، الناشر: المكتب الإسلامي ـ بيروت.
وقد صحح الحديث الحاكم أيضاً في مستدركه بلفظ أحمد وتابعه الذهبي في التلخيص الحاكم النيسابوري، المستدرك وبذيله التلخيص للذهبي: ج۳ ص۱۳۳ـ ۱۳۴، الناشر: دار المعرفةـ بيروت.
فهذا الحديث بألفاظه المختلفة التي تضمنت صيغة (لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي…) هذه الصيغة صريحة في أن حديث المنزلة يرمي إلى إثبات أهم منزلة من منازل هارون من موسى، وهي الولاية والخلافة، كما سيأتي ذكرها لاحقاً، والشاهد على صراحة الرواية في إثبات منزلة الخلافة ما ذكره بعض علماء السنة، منهم الباحث أحمد محمود صبحي ـ فهو بعد أن ذكر صحة سند حديث المنزلة وأنه لا نقاش في ذلك ـ قال بناء على ثبوت تلك الصيغة: «ولا شك أن هذه العبارة تجعل من الحديث نصاً جلياً في إمامة علي، يحسم كل اختلاف ويضع حداً للتفسيرات المتباينة التي استخلصتها الفرق من دلالة الحديث» أحمد محمود صبحي، نظرية الإمامة: ص۲۲۵، الناشر: دار النهضة العربية ـ بيروت.
۴ـ استخلاف علي× في المدينة كان أمرا ضروريا
أخرج الطبراني عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم: «أن رسول الله’ قال لعلي حين أراد أن يغزو: إنه لابد من أن تقيم أو أقيم، فخلفه، فقال ناس: ما خلفه إلا لشيء كرهه، فبلغ ذلك علياً، فأتى رسول الله’ فأخبره، فتضاحك، ثم قال: يا علي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي» الطبراني، المعجم الكبير: ج۵ ص۲۰۳، تحقيق وتخريج: حمدي عبد المجيد السلفي.
قال الهيثمي: «رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما ميمون أو عبد الله البصري، وثّقه ابن حبان وضعّفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح» الهيثمي، مجمع الزوائد: ج۹ ص۱۱۱، الناشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت.
إن ألفاظ هذا الحديث الشريف تسلّط الضوء على حقيقة مهمة تساهم في فهم طبيعة العلاقة بين استخلاف علي× في المدينة وبين مدلول حديث المنزلة، وأن ذلك الاستخلاف نابع من واقع المنزلة التي هي لعلي× من رسول الله’، وهي منزلة تضاهي منزلة هارون من موسى‘ بكل أبعادها بما في ذلك استخلافه على قومه عندما ذهب موسى× إلى لقاء ربه تبارك وتعالى، كما سيتضح لاحقاً.
وتعبير النبي’: «إنه لابد أن تقيم أو أقيم»، صريح في أن المدينة المنورة التي كانت عاصمة الحكومة الإسلامية آنذاك قد أحاطت بها ظروف وملابسات خاصة اقتضت أن لا يغادرها النبي الأكرم’، كما أنه لا يمكن السكوت عن الخطر الداهم الذي كانت تواجهه الحكومة الإسلامية من قبل الإمبراطورية الرومانية في ذلك الحين، والذي كان يتطلب من النبي’ الخروج بشخصه المبارك لتقوية عزيمة المسلمين تجاه أعتى قوة عسكرية في المنطقة، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار طول المسافة بين المدينة وتبوك التي كان من المفروض وقوع المعركة فيها واستعداد الروم لغزو الجزيرة العربية والقضاء على الرسالة الإسلامية؛ انطلاقاً من ذلك المكان.
وقد كان ذلك العام عام جدب، وتزامن الخروج مع صيف الجزيرة المتسم بشدة الحرارة مما أوجب تقاعس بعض المسلمين وتثبيط المنافقين لعزيمة المقاتلين في الجيش الإسلامي، كل ذلك جعل وجود النبي’ في تلك المعركة ضرورة لابد منها، وإلا فلا يمكن الخروج بجيش قادر على مواجهة الروم، والشاهد على ذلك تخاذل المسلمين في المرة اللاحقة عن جيش أسامة عندما كان الرسول’ مريضاً.
إذن كان الموقف الصائب في مثل هكذا تزاحم أن يخلف النبي’ في المدينة من يحمل خصائصه الرسالية، ويكون قادراً على ملء الفراغ الذي يخلّفه خروج النبي’ إلى غزوة تبوك، ولم يكن أحد من الصحابة يمتلك هذا المقام الإلهي إلا علي×، الذي كان يمثل نفس النبي’ بصريح آية المباهلة، وكان الناطق الرسمي عن رسول الله’ من أهل بيته^ كما هو صريح الحديث الوارد في تبليغ سورة براءة عندما قال جبرائيل× للنبي’: «لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك» أحمد بن حنبل، المسند: ج۱ ص۱۵۱، الناشر: دار صادر ـ بيروت.، فأرجع النبي’ أبا بكر وبعث علياً× خليفة عنه وناطقاً عن السماء.
وهذا ما يميز استخلاف علي× عن استخلاف ابن أم مكتوم وغيره على المدينة، إذ لم يكن استخلافهم محاطاً بتلك الظروف، ولم تكن المدينة تتطلب في زمنهم إلا خلافة النبي وولايته عليها ولو عن بعد، ولم يكن استخلافهم بديلاً عن خلافة النبي’، وأمّا استخلاف علي× فقد جعله النبي’ بديلاً شرعياً وقانونياً يضاهي استخلاف موسى× لهارون في قومه عندما ذهب إلى ربه، كما حكاه عنه القرآن في قوله تعالى: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} الأعراف: ۱۴۲٫، ولذا نجد أن النبي’ قرن في حديثه بين ضرورة بقاء علي× خليفة عنه في المدينة وبين منزلة علي منه’ كمنزلة هارون من موسى.
ومما يسلّط الضوء على ضرورة بقاء النبي’ في المدينة أو رجل منه وهو علي× ما جاء في الحديث ذاته من أن هناك أناساً تخلّفوا عن الخروج إلى القتال وطعنوا في خلافة علي× على المدينة، حيث قالوا: «ما خلفه إلا لشيء كرهه»، فإن هذا يعني أن هناك أناساً تخلّفوا في المدينة يسعون لإثارة الأجواء واللغط حول خلافة علي×، مما يعني أن هناك نيّة مبيّتة لإحداث انقلاب مدني ضدّ الحكومة الإسلامية بعد أن تخلو لهم الأجواء بخروج النبي’ وعلي× الذي يتميز بقوة اليقين وحسن التدبير والشجاعة الفائقة التي لا يستطيع المنافقون والذين في قلوبهم مرض مواجهتها، وتتجلّى هذه الحقيقة أكثر عند مطالعة مفردات الحديث اللاحق.
والحاصل: أن ألفاظ الحديث المذكور واضحة في إثبات خلافة وولاية إلهية خاصة لعلي× نظير خلافة هارون لموسى‘، ومن ذلك يتبيّن بطلان الشبهة القائلة: إن حديث المنزلة لا يوجب فضلاً ولا استحقاقاً للإمامة.
كما تبين أيضاً بطلان ما زعمه القفاري من أن النبي’ ذكر حديث المنزلة تسلية لعلي× عندما عاب عليه المنافقون البقاء مع النساء والصبيان؛ لأن هذا الزعم يجهل أو يتجاهل طبيعة استخلاف علي× على المدينة الذي تنصّ عليه ألفاظ حديث المنزلة.
۵ـ لا تصلح المدينة إلا ببقاء علي× فيها
أخرج الحاكم في المستدرك في حديث طويل ورد فيه شكوى علي× للرسول الأكرم’ وما يترتب على بقائه في المدينة وعدم خروجه إلى القتال من القيل والقال، فأجابه النبي’ قائلاً: «أما قولك: تقول قريش ما أسرع ما تخلف عن ابن عمه وخذله فإن لك بي أسوة، قد قالوا: ساحر وكاهن وكذاب، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وأما قولك: أتعرّض لفضل الله، فهذه أبهار من فلفل جاءنا من اليمن فبعه، واستمتع به أنت وفاطمة حتى يأتيكم الله من فضله، فإن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك» قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» الحاكم النيسابوري، المستدرك وبذيله التلخيص للذهبي: ج۲ ص۳۳۷٫
ولم يستشكل الذهبي على طريق هذا الحديث في تلخيصه إلا من جهة عبد الله بن بكير الغنوي وحكيم بن جبير، قال: «عبد الله بن بكير الغنوي منكر الحديث، عن حكيم بن جبير وهو ضعيف يترفض» الحاكم النيسابوري، المستدرك وبذيله التلخيص للذهبي: ج۲ ص۳۳۷٫
وليس هذا بغريب على الذهبي الذي لا يتحمل بطبيعته روايات فضائل علي×، فالطعن بالحديث لم يكن وفق الموازين الصحيحة، بل هو نتيجة اختلاف في الرؤية بين الناقد والراوي، وإلاّ فان عبد الله بن بكير قد وثقه ابن حبان وأدرجه في كتابه (الثقات) ابن حبان، الثقات: ج۸ ص۳۳۵، الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية.
وفي تاريخ ابن معين قال الداوري: «سمعت يحيى يقول: عبد الله بن بكير الغنوي لا بأس به» ابن معين، تاريخ ابن معين: ج۱ ص۲۹۶، تحقيق: عبد الله أحمد حسن.
وقال ابن عدي: «ولم أر للمتقدمين فيه كلاماً» ابن عدي، الكامل في الضعفاء: ج۴ ص۲۵۱، قراءة وتدقيق: يحيى مختار غزاوي.
ولذا قال الذهبي في ترجمته لعبد الله بن بكير: «وقال الساجي: من أهل الصدق وليس بقوي» الذهبي، ميزان الاعتدال: ج۲ ص۳۹۹٫
وقال الألباني إن وصف الذهبي له بمنكر الحديث مبالغ فيه: «الغنوي: فقد قال الساجي: من أهل الصدق، وليس بقوي. وذكر له ابن عدي مناكير. وهذا كلّ ما جرح به، وذكره ابن حبان في الثقات. فقول الذهبي: منكر الحديث، لا يخلو من مبالغة، وقد قال في الضعفاء: ضعفوه، ولم يترك» محمد ناصر الألباني، إرواء الغليل: ج۸ ص۲۳۶، إشراف: زهير الشاويش.
فتضعيفه عند الذهبي منحصر في كونه منكر الحديث لا بد من الإشارة إلى أنه ليس كلّ منكر الحديث يلزم بالضرورة أن يكون ضعيفاً، فهذه ليست قاعدة مطردة في كل الموارد، بل قد يكون منكر الحديث موثقاً، فليس وصف منكر الحديث عند الذهبي مثلاً يلازمه اتفاق الجميع على ذلك، على أن الذهبي لم يسمه بمنكر الحديث إلا في تلخيصه على المستدرك حينما لم يتحمل ـ كعادته ـ الفضيلة المذكورة للإمام علي×، بينما لا نجده يذكر هذا الوصف في ترجمته لعبد الله بن بكير في ميزان الاعتدال.
كما أنّ الاصطلاح المذكور لم يتفق الجميع على كونه من ألفاظ الجرح، فعند البخاري يكون جرحاً [الذهبي، ميزان الاعتدال: ج۱ ص۶] بينما عند أحمد بن حنبل لا يكون كذلك، قال ابن حجر في ترجمته يزيد بن عبد الله بن خصيفة الكندي: «قال ابن معين: ثقة حجة، ووثقه أحمد في رواية الأثرم، وكذا أبو حاتم والنسائي وابن سعد، وروى أبو عبيد الآجري عن أبي داود عن أحمد أنه قال: منكر الحديث، قلت: هذه اللفظة يطلقها أحمد على من يغرب على أقرانه بالحديث» ابن حجر العسقلاني، مقدمة فتح الباري: ص۴۵۳، الناشر: دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
ومما يؤيد أن منكر الحديث لا يتنافي مع وثاقته: أن هناك بعض الرواة ممن اتهموا بتلك الصفة، ومع ذلك لم يخرجوا عن حدّ التوثيق عند البعض الآخر، ومن هؤلاء:
۱ـ المفضل بن فضالة القتباني المصري، قال ابن حجر العسقلاني: «وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة والنسائي وآخرون، وقال أبو حاتم وابن خراش: صدوق، وقال ابن سعد: منكر الحديث، قلت: اتفق الأئمة على الاحتجاج به» ابن حجر، مقدمة فتح الباري: ص۴۴۵٫
۲ـ محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، قال ابن حجر العسقلاني: «من شيوخ أحمد بن حنبل وثقه ابن المديني وقال أبو حاتم: صدوق إلا أنه يهمّ أحياناً، وقال ابن معين: لا بأس به، وقال أبو زرعة: منكر الحديث، وأورد له ابن عدي عدة أحاديث، وقال: إنه لا بأس به، قلت: له في البخاري ثلاثة أحاديث ليس فيها شيء» ابن حجر، مقدمة فتح الباري: ص۴۴۰٫
۳ـ داود بن حصين المدني: قال ابن حجر العسقلاني: «داود بن الحصين المدني وثقه ابن معين وابن سعد والعجلي وابن إسحاق وأحمد بن صالح المصري والنسائي… وقال الساجي منكر الحديث متهم برأي الخوارج… قلت: روى له البخاري حديثاً واحداً» ابن حجر العسقلاني، مقدمه فتح الباري: ص۳۹۹٫
۴ـ علوان بن داود، قال البخاري: «منكر الحديث» ابن حجر، لسان الميزان: ج۴ ص۱۸۸، الناشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت.
وقد وثّقه ابن حبان. ابن حبّان، الثقات: ج۸ ص۵۲۶، الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية.
۵ـ حماد بن جعفر العبدي، قال الذهبي: «وثقه ابن معين وغيره، وقال ابن عدي: منكرالحديث» الذهبي، الكاشف: ج۱ ص۳۴۹، قابلها بأصل مؤلفيهما وقدم لهما وعلق عليهما: محمد عوامة. وهو لا يقدح في وثاقته.
أما حكيم بن جبير، قال المزي في ترجمته: «وقال عبد الرحمان بن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه، فقال: في رأيه شيء، قلت: ما محله؟ قال: الصدق إن شاء الله» تهذيب الكمال، المزي: ج۷ ص۱۶۸، الناشر: مؤسسة الرسالة ـ بيروت.
والترمذي لم ير فيه بأساً، قال المباركفوري: «قوله: (حديث عائشة حديث حسن) قد حسن الترمذي هذا الحديث وفيه حكيم بن جبير وهو متكلم فيه، فالظاهر أنه لم ير بحديثه بأساً وهو من أئمة الفن» المباركفوري، تحفة الأحوذي: ج۱ ص۴۱۱٫ الناشر: دار الكتب العلمية.
وأما تضعيف شعبة وكلامه وامتناعه عن الرواية عنه، إنّما كان ذلك في فترة متأخرة وليس في كل الفترات، وسبب تكلمه فيه هو حديث الصدقة المعروف قال في تحفة الأحوذي: «(قال يحيى بن سعيد) هو القطان: (وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل حديثه الذي روي عن ابن مسعود الخ) روى المؤلف هذا الحديث في باب من تحل له الزكاة بإسناده عن حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيام ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح، قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب. قال الترمذي بعد رواية هذا الحديث: وحديث ابن مسعود حديث حسن وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث انتهى كلامه. وروى هذا الحديث أبو داود وابن ماجه وزادا، فقال رجل لسفيان: إن شعبة لا يحدث عن حكيم بن جبير، فقال سفيان: حدثناه زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد (وروى له سفيان وزائدة) أي رويا عن حكيم بن جبير (ولم ير يحيى بحديثه بأساً) قال الذهبي في الميزان في ترجمة حكيم بن جبير: قال أحمد: ضعيف منكر الحديث، وقال البخاري: كان شعبة يتكلم فيه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الدارقطني: متروك، وقال معاذ: قلت لشعبة: حدثني بحديث حكيم بن جبير، قال: أخاف النار إن أحدث عنه، قلت: فهذا يدل على أن شعبة ترك الرواية عنه بعد، وقال علي: سألت يحيى بن سعيد عنه، فقال: وكم روى، إنما روى يسيراً روى عنه زائدة وتركه شعبة من أجل حديث الصدقة، وروى عباس عن يحيى في حديث حكيم بن جبير حديث ابن مسعود لا تحل الصدقة لمن عنده خمسون درهماً، فقال: يرويه سفيان عن زيد لا أعلم أحداً يرويه غير يحيى بن آدم، وهذا وهم لو كان كذا لحدّث به الناس عن سفيان، ولكنه حديث منكر يعني وإنما المعروف بروايته حكيم، وقال الفلاس: كان يحيى يحدث عن حكيم وكان عبد الرحمن لا يحدث عنه وعن ابن مهدي قال: إنما روى أحاديث يسيرة، وفيها منكرات» المباركفوري، تحفة الأحوذي: ج۱ ص۴۱۲، الناشر: دار الكتب العلمية ـ بيروت.
وأغلب التضعيفات فسّرت بكونه شيعياً مغالياً، فالجرح ناشئ من الطعن في عقيدته عند من ضعفوه، بسبب ما رواه من فضائل علي×، وعقيدة الراوي بشكل عام لا تضر في الوثاقة عند بعض علماء أهل السنة قد تكون عقيدة الراوي عند البعض من علماء أهل السنة غير قادحة بروايته مادامت ملكة الصدق محفوظة فيه، إلاّ أن ينقل الرواي فضيلة لعلي تتعارض مع معتقداتهم كمن يروي الوصية له أو الخلافة، فعندئذ لا يشفع له الصدق كما سيأتي في الابحاث الآتية:
قال الألباني في السلسلة الصحيحة في تعليقه على حديث: (ما تريدون من علي؟ إن علياً منّي وأنا منه): «إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين غير الأجلح، وهو ابن عبد الله الكندي، مختلف فيه، وفي (التقريب): (صدوق يتشيع) فإن قال قائل: راوي هذا الشاهد شيعي، وكذلك في سند المشهود له شيعي آخر وهو جعفر بن سليمان، أفلا يعتبر ذلك طعناً في الحديث وعلة فيه؟! فأقول: كلا، لأن العبرة في رواية الحديث إنما هو الصدق والحفظ، وأما المذهب فهو بينه وبين ربه، فهو حسيبه، ولذلك نجد صاحبي (الصحيحين)، وغيرهما، قد أخرجوا لكثير من الثقات المخالفين كالخوارج والشيعة وغيرهم…». الألباني، موسوعة الأحاديث الصحيحة: ج۵ ص۲۶۲ ح۲۲۲۳، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع ـ الرياض.
وتعرّض ابن حجر لذلك في ترجمته لعلي بن غراب الفرازي: «وقال الحسين بن إدريس: سألت محمد بن عبد الله بن عمار عن علي بن غراب، فقال: كان صاحب حديث بصيراً به، قلت: أليس هو ضعيفاً؟! قال: إنه كان يتشيع، ولست أنا بتارك الرواية عن رجل صاحب حديث بعد أن لا يكون كذاباً…» ابن حجر، تهذيب التهذيب: ج۷ ص۳۲۵ الناشر: دار الفكر ـ بيروت.
وروى الخطيب: «أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب أنا محمد بن نعيم الضبي، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب وسئل عن الفضل بن محمد الشعراني فقال: صدوق في الرواية إلا أنه كان من الغالين في التشيع» الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية: ۱۵۹ص، تحقيق: أحمد عمر هاشم.
وقال الذهبي في ترجمة أبان بن تغلب: «شيعي جلد، لكنّه صدوق، فلنا صدقه وعليه بدعته» الذهبي، ميزان الاعتدال: ج۱ ص۵، تحقيق: علي محمد البجاوي.
وقال أيضاً: «من دخل في بدعة، ولم يعد من رؤوسها، ولا أمعن فيها، يقبل حديثه… وحديثهم في كتب الإسلام لصدقهم وحفظهم» سير أعلام النبلاء: ج۷ ص۱۵۴، تحقيق: علي أبو زيد.
وقال الذهبي في ترجمته عبد الرزاق بن همام: «قلت: وثّقه غير واحد، وحديثه مخرج في الصحاح وله ما ينفرد به، نقموا عليه التشيّع، وما كان يغلو فيه، بل كان يحبّ عليّاً ـ رضي الله عنه ـ ويبغض من قاتله». الذهبي، تذكرة الحفاظ: ج۱ ص۳۶۴، الناشر: دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
فحديث الحاكم كسابقه صريح في ضرورة بقاء علي× في المدينة خليفة عن رسول الله’ بخلافة لا تليق إلا به، حيث يقول له النبي’: «فإنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك»، كما أن الحديث صريح في أن الطعن بخلافة علي× على المدينة يوازي طعن قريش في نبوة النبي’ واتهامهم له بالسحر والكهانة والكذب، وعلى ضوء ذلك قال النبي’ مباشرة: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» بمعنى أن خلافتك من الله تعالى كنبوّتي، والطعن فيها من قبل قريش كطعنهم في مقام النبوّة، إلا أن علياً× ليس بنبي، وهذا ما نؤكّد عليه من أن حديث المنزلة يثبت ما كان لهارون× من المقامات إلا النبوة، مما يعني أن حديث المنزلة الذي ورد في استخلاف علي× على المدينة يثبت له خلافة ربانية ومقاماً سامياً في حياة النبي’ وقبل مماته.

true
الملصقات: , ,
true
true
true

يمكنك أيضا تسجيل تعليقك

- أكمل الخيارات المميزة بنجمة (*)
- البرید الإکتروني سیکون مشفرا و لن یظهر لأحد


false