×

القائمة العلوية

القائمة الرئيسية

للإختصار

أخبار الموقع

true
true

محتوى خاص

true
    الیوم:  الخميس 7 صفر 1442   
true
false

يعتبر مجلس المأمون الذي عقده للمناظرة بين الإمام الرضا عليه السلام وبين علماء الأديان والمذاهب ، مجلساً فريداً حيث لم ينعقد مجلس مثله من ظهور الإسلام إلى غيبة ولي الأمر أرواحنا فداه ! فلم يحدث أن جمع رئيس أقوى دولة كل القدرات العلمية على وجه الأرض ، وعرضوا قوتهم في مناظرة مع إمام معصوم عليه السلام !

لقد استعمل المأمون كل ما أوتي من دهاء وشيطنة ليحرج الإمام الرضا عليه السلام ويغلبه ولو واحد من أولئك العلماء فباؤوا جميعاً بالفشل !

وقد ورد في الحديث القدسي الذي أهداه جبرئيل عليه السلام مكتوباً على لوح إلى الصديقة الكبرى فاطمة عليها السلام فيه أسماء الأئمة من ولدها عليهم السلام ، ورد وصف المأمون بأنه : عفريت مستكبر ! ( الكافي ج ۱ ص ۵۲۷ ) ، والعفريت أطلق في القرآن في قصة سليمان عليه السلام على ذلك الجني الذي كان في مقابل وصي سليمان الذي عنده علمٌ من الكتاب : قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ . قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ . قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً

عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ . ( سورة النمل : ۳۸ – ۴۰ ) .

والتعبير عن المأمون بعفريت يدل على أنه جمع القدرة والشيطنة ، مع تكبره وتمرده !

إن ابتلاء كل معصوم بحاكم عصره يتم بقانون للإبتلاء حسب خصائص ذلك العصر والإمام وعلى هذا الامتحان الرباني يبتني مقام الإمام ودرجته عليه السلام !

كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في وصف الإمام الرضا عليه السلام قولها : ( يخرج رجل من ولد ابني موسى اسمه اسم أمير المؤمنين عليه السلام إلى أرض طوس وهي بخراسان يقتل فيها بالسم فيدفن فيها غريباً . من زاره عارفاً بحقه أعطاه الله عز وجل أجر من أنفق من قبل الفتح وقاتل ) . ( من لا يحضره الفقيه : ۲ / ۵۸۳ ، وعيون أخبار الرضا : ۱ / ۲۸۵ ) .

وروى حمزة بن حمران قال : ( قال أبو عبد الله عليه السلام : يقتل حفدتي بأرض خراسان في مدينة يقال لها طوس ، من زاره إليها عارفاً بحقه أخذته بيدي يوم القيامة فأدخلته الجنة ، وإن كان من أهل الكبائر . قال : قلت جعلت فداك وما عرفان حقه ؟ قال : يعلم أنه إمامٌ مفترض الطاعة شهيد . من زاره عارفاً بحقه أعطاه الله تعالى أجر سبعين ألف شهيد ممن استشهد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله على حقيقة ) ( من لا يحضره الفقيه : ۲ / ۵۸۴ ، وعيون أخبار الرضا عليه السلام : ۱ / ۲۸۹ ) ( ۱ )

وإن كان من أهل الكبائر . . هذا تعبير عجيب يدل على مقام الإمام الرضا عليه السلام ومقام زواره ! والكلمة المحيرة أكثر بعده : أجر سبعين ألف شهيد . . الخ ! حيث إن المستشهدين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله منهم شهداء على المعنى الحقيقي ، ومنهم شهداء على المعنى المجازي ، وزائر الإمام الرضا عليه السلام له أجر سبعين ألف شهيد حقيقي ! !
إن فرق الإكسير عن الكيمياء كما يقول القدماء ، أن الكيمياء مادة تُحول المعدن إلى ذهب ، لكن الإكسير مادة تغير طبيعة المواد الأخرى وتعطيها خصائص الإكسير ! والإنسان إذا وصل إلى مرحلة من النجاح في الامتحان الإلهي الذي قرره الله له واختصه به ، يصبح مثل الإكسير بحيث لو تحركت شفتا إنسان عند قبره ينتقل أثر الإكسير عبر ضريحه اليه ، فَيُحْدِثُ انقلاباً في روح الزائر ، ويصير شهيداً مع النبي صلى الله عليه وآله في بدر !

إن ذلك من تأثير الإمام فيمن يزوره ، وخاصية إكسيره التي أثرت في زائره !

فماذا فعل الإمام الرضا عليه السلام حتى وصل إلى هذه الدرجة ؟

لقد عَبَرَ امتحانات ربه ، ومنها ابتلاؤه بذلك العفريت المستكبر ! وتحمل في جميع تلك الشدائد وصبَر ، حتى تعجبت الأنبياء عليهم السلام من صبره !

وماذا عسانا عرفنا عن الإمام الرضا عليه السلام : عن شخصيته ، وكيف عاش ، وكيف كان يمضي نهاره وليله ؟ وكيف امتحنه الله ، ونجح في الامتحان ؟ !

عندما أهدى قميصه إلى دعبل قال له : إحتفظ بهذا القميص ، فقد صليت فيه ألف ليلة ألف ركعة ، وختمت فيه القرآن ألف ختمة . ( أمالي الطوسي ص ۳۵۹ ) ( ۲ )

وكان يختم القرآن في ثلاثة أيام ، لكن كيف ؟ لا يمر بآية حتى يرى جوانبها وأطرافها ، وسبعة أعماقها ، ويستخرج من جواهرها ولآليها !

هذا عمله اليومي عليه السلام ، وعندما ابتلي بولاية العهد للمأمون كان مجلسه ينعقد كل يوم ، ويواجه أنواع الأحداث والمؤامرات !

ذات يوم قرر المأمون أن يجمع كيده فيجمع له ( السحرة ) من العلماء والمفكرين من أقطار الدنيا ليناظروه ويفحموه ! وخطط لذلك واستعمل فنون دهائه ، وأنواع سلطته ، وبريق ذهبه ! ( أمر الفضل بن سهل أن يجمع له أصحاب

المقالات مثل الجاثليق ( رئيس الأساقفة ) ورأس الجالوت ( عالم اليهود ) ورؤساء الصابئين والهربذ الأكبر ( عالم المجوس وقيل عظماء الهنود ) وأصحاب زردهشت ( زرادشت ) ونسطاس الرومي ( عالم بالطب ) والمتكلمين ( الفلاسفة وعلماء المذاهب الإسلامية ) ليسمع كلامه وكلامهم ، فجمعهم الفضل بن سهل ثم أعلم المأمون باجتماعهم ! ) ( عيون أخبار الرضا عليه السلام : ۲ / ۱۳۹ )

إقرؤوا هذه المناظرة واعرفوا أئمة المسلمين عليهم السلام ! فقد روى العلماء والرواة قطعاً من أخبار ذلك المجلس حسب استيعابهم ، أو حسب ما وصلهم منها ، ومن ذلك : ( عن الحسن بن الجهم قال : حضرت مجلس المأمون يوماً وعنده علي بن موسى الرضا عليه السلام وقد اجتمع الفقهاء وأهل الكلام من الفرق المختلفة ، فسأله بعضهم فقال له : يا بن رسول الله بأي شئ تصح الإمامة لمدعيها ؟

قال بالنص والدليل .

قال له : فدلالة الإمام فيما هي ؟

قال في العلم ، واستجابة الدعوة ) . ( عيون أخبار الرضا عليه السلام : ۱ / ۲۱۶ ) ( ۳ )

ما معنى هذه الكلمة : قال بالنص والدليل ؟ هل فكرت لماذا ذكر الإمام عليه السلام طريقين لمعرفة الإمام ، فأضاف الدليل والمعجزة إلى النص ؟ !

روحي وأرواح العالمين لتراب مرقدك الفداء ، ماذا جمع الله فيك ؟ لستَ بحر علم فقط ، بل لقد لخص الله فيك عالم الوجود فقلت : بالنص والدليل !

مع ضيق الوقت ، نستفيد من هذه الكلمة الشريفة من ولي الله وحجته الإمام الرضا عليه السلام ، فإن الإمامة دعوى تثبت عن طريقين : النص والدليل ، أي بالعلم الذي خص الله به الامام ، والقدرة التي منحه الله إياها !

ذلك أن الإمام موجود تجتمع فيه خلاصة المقامات الإلهية التي يعطيها الله
لخاصة أوليائه ! فله صفة : أمين الله ، التي نقرؤها في زيارة : أمين الله ، وهذه الزيارة على علو سندها تبدأ بعبارة : السلام عليك يا أمين الله في أرضه ، وفيها فصول من العلم ، كقوله بعد وصف الإمام بأمين الله : أشهد أنك جاهدت في الله حق جهاده ، وفي الربط بينهما بحث مهم ، فالإمام إنسان كامل ، وأحد مقومات كماله أنه أمين الله ، ومعناه أن الإمام عنده خزائن التشريع والتكوين !

راجعوا معنى الأمانة والأمين في القرآن والأحاديث لتعرفوا هذا المقام العظيم ، فقد وصف الله به كبار الرسل : إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ، ووصف به سيد الملائكة جبرئيل : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم . ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ . مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ . ( سورة التكوير : ۱۹ – ۲۱ ) ووصف مسؤولية الأمانة الإلهية وثقلها : إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَة عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً . ( سورة الأحزاب : ۷۲ ) .

وإضافة الأمانة إلى ” الله ” من بين الأسماء الحسنى ، تعطيها الشمولية التي ذكرناها ، لأن لفظ الجلالة ” الله ” يحوي خصائص الأسماء الحسنى كلها !

هذا هو معنى : أمين الله في أرضه . والأمين يحتاج إلى سند من المستأمِن يثبت أنه مستأمَن ، وإلا كانت دعوى استئمانه بلا دليل ، ولذا احتاج الإمام عليه السلام إلى نص يشهد له ! وهذا معنى قوله عليه السلام : بالنص والدليل .

والدليل هنا معناه الدلالة : وأن الإمام مضافاً إلى النص عليه من النبي صلى الله عليه وآله أو ممن نص عليه النبي صلى الله عليه وآله ، يعرف بدلالة العلم واستجابة الدعاء !

أما لماذا صار الدليل مركباً منهما ؟ فلأن الكمال في العالم منحصر فيهما ، فكل الكمالات الإنسانية ترجع إلى العلم والقدرة ! والإنسان الكامل هو المتصل بمنبع علم : لا نفاد لكلماته ، وبمخزن القدرة الذي : إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون . ( سورة آل عمران : ۴۷ )

هذا هو البرهان ، أما العيان فقد تجسدت الدلالة في علم الإمام الرضا عليه السلام ودعواته المستجابة ومعجزاته الباهرة ! ويكفي في إثبات علمه عليه السلام هذه المناظرة التي هي مؤتمر ، بل مباهلة ، أعدَّ لها المأمون بكل ما أعطي من قدرة ، وكان حاكم أكبر دولة في العالم ، وكانت دولته في أوج قوتها ، فأمر رئيس وزرائه الفضل بن سهل أن يكتب إلى حكام الولايات ويجمع له من أرجاء البلاد علماء الأديان ، والمذاهب ، والفلاسفة ، وأصحاب الاتجاهات الفكرية ، حتى الإلحادية !

إن ما وصلنا عن مؤتمر المأمون ، يدل على أنه كان أعظم مما عرفنا عنه ! فقد جمعوا كبار علماء العالم من بلاد الهند وفارس والروم وبلاد العرب ، وذكرت بعض الروايات أنهم كانوا أربعة آلاف شخص ، جمعهم العفريت المستكبر ليحاجوا الإمام الرضا عليه السلام ، واستضافهم وبذل لهم ، وشجعهم على مناقشته حتى بالكفر والإلحاد ، وربما جعل الجوائز العظيمة لمن يغلب الإمام ! وقد امتدت الجلسة من بكرة الصباح إلى الظهر ، ثم استؤنفت بعد الظهر إلى المغرب !

وعندما أرسل المأمون ياسر الخادم وهو برتبة وزير إلى الإمام عليه السلام قبل يومٍ من المؤتمر يدعوه إلى الحضور غداً ، أجابه الإمام عليه السلام : أبلغه السلام وقل له قد علمتُ ما أردت ، وأنا صائرٌ إليك بكرةً إن شاء الله ! وهو تعبير كافٍ لإفهام المأمون بقبول التحدي !

وقل له قد علمتُ ما أردت ! واطلعت على نيتك وخطتك ، فقد استعملت أقصى شيطنتك ، وجمعت لي شياطين العلم في الأرض ، لكنك لن تستطيع إطفاء نور الله تعالى ، ولا إبطال حجته !

قال الحسن بن النوفلي : ( فلما مضى ياسر التفت إلينا ثم قال لي : يا نوفلي أنت عراقي ورقَّة العراقي غير غليظة ، فما عندك في جمع ابن عمك علينا أهل الشرك وأصحاب المقالات ؟ ! فقلت : جعلت فداك يريد الامتحان ويحب أن يعرف ما عندك ؟ ! ) .

ومع أن الإمام أعرف من النوفلي والحاضرين في مجلسه بنوايا المأمون وخططه ، لكنه أراد أن يكشفها لهم ، وأن يتم حجة الله تعالى .

وقد خاف النوفلي على الإمام عليه السلام من ذلك المجلس ، ليس من علم العلماء بل من شيطنتهم ، لأنهم رؤساء أديان وفرق ومذاهب واتجاهات ، ومن شيطنة المأمون الذي يقف وراءهم ! فالعالم يدلي برأيه لكن إذا ظهر له الحق يقبله ، أما رئيس الفرقة والمذهب فليس عنده استعداد لقبول الحق مهما كان واضحاً ، فهو يدافع عن دينه ومنصبه حتى بإنكار البديهيات !

قال النوفلي : قلت : ( إن أصحاب الكلام والبدعة خلاف العلماء ، وذلك أن العالم لا ينكر غير المنكر ، وأصحاب المقالات والمتكلمون وأهل الشرك أصحاب إنكار ومباهتة ، إن احتججت عليهم بأن الله واحد قالوا صحح وحدانيته ! وإن قلت إن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله قالوا أثبت رسالته ! ثم يباهتونه وهو يبطل عليهم بحجته ، ويغالطونه حتى يترك قوله ، فاحذرهم جعلت فداك . قال النوفلي : فتبسم الإمام عليه السلام ثم قال لي : يا نوفلي أفتخاف أن يقطعوا عليَّ حجتي ؟ ! فقلت : لا والله ما خفت عليك قط ، وإني لأرجو أن يظفرك الله بهم إن شاء الله تعالى .

فقال لي : يا نوفلي أتحب أن تعلم متى يندم المأمون ؟ قلت : نعم .

قال : إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم ، وعلى أهل الإنجيل

بإنجيلهم ، وعلى أهل الزبور بزبورهم ، وعلى الصابئين بعبرانيتهم ، وعلى أهل الهرابذة بفارسيتهم ، وعلى أهل الروم بروميتهم ، وعلى أصحاب المقالات بلغاتهم ! فإذا قطعت كل صنف ودحضت حجته ، وترك مقالته ورجع إلى قولي . . علم المأمون الموضع الذي هو سبيله ليس بمستحق له ! فعندها تكون الندامة ، ولا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم ) .

يعني بذلك عليه السلام أنه إذا وصل الأمر من النص إلى الدلالة ، ومن النظري إلى العملي ، فسوف يندم المأمون لأنه سيتضح له ولغيره أن كرسيه في خلافة النبي صلى الله عليه وآله كرسي ، مغصوب ، وأن صاحب هذا الكرسي غيره !

وبدأ المجلس بكرةً ، بهجوم من رئيس الأساقفة ، وامتد إلى العصر بهجوم الفيلسوف العلماني عمران الصابي ! ولا يتسع الوقت لبيان تلك المطالب واللطائف التي استطاعت أن تحملها روايات النوفلي ، وهو عالم هاشمي له علاقة حسنة بالإمام عليه السلام وبالمأمون !

وما لبث رئيس الأساقفة أن هوى أرضاً ، وتحول حاخام اليهود رأس الجالوت إلى مسكين منكسر ، وآمن الهزبر الأكبر ، وتمرغ نسطاس الرومي بالتراب ! وواصل الإمام عليه السلام عمله يحصد بمنجل علومه الربانية أباطيل علماء الأديان والمذاهب واحداً بعد الآخر ، وهم يتهاوون صرعى في قاعة المجلس ! ولم يبق إلا بهلوان العلمانيين الملحدين عمران الصابي الذي ادخره المأمون ليكون آخر نبل في كنانته !

ونزل عمران الصابي إلى الميدان فإذا هو بحرٌ في علوم عصره ، متضلعٌ في كل فروع الفلسفة التي كانت في ذلك العصر ، لم يغلبه أحد في مناظرة في

كل عمره ! وتكلم بما يملك من تعمق وتفنن في مبدأ الوجود وفي أفعال الله تعالى من المبدأ إلى المنتهى ، وطرح إشكالاته وأسئلته ، وأخذ الإمام عليه السلام يفندها ويجيبه عليها ، حتى وصل عمران إلى سؤال مفصلي ، وما أن أجابه الإمام عليه السلام بعلمه الرباني حتى خرَّ عمران أرضاً وهو يعلن أمام أربعة آلاف حاضر : أشهد أن لا إله إلا الله . . أشهد أن لا إله إلا الله !

لقد خُتم المجلس بعد الظهر بإسلام عمران الصابي ، ورأى النوفلي والجميع أن الإمام عليه السلام هو المعني بالنص والمعجزة التي تصدق كلامه ! ( ۴ )

لقد رأى المأمون والمسلمون من الإمام الرضا عليه السلام آيات في العلم وفي استجابة الدعوة ! لكن المأمون عفريت متكبر وقد قال الله تعالى : قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( سورة يونس : ۱۰۱ )

رأوها في قضايا صغيرة وكبيرة ، وظهرت للعيان الحجج الرضوية من عالم آل محمد صلى الله عليه وآله ، أمام نخبة العالم من شرقه وغربه .

ثم رأوها في صلاة الاستسقاء العجيبة وما تلاها مما هو أعجب !

قال الصدوق في عيون أخبار الرضا : ۱ / ۱۷۹ : ( باب استسقاء المأمون بالرضا عليه السلام وما أراه الله عز وجل من القدرة في الاستجابة له ، وفي إهلاك من أنكر دلالته تلك : حدثنا أبو الحسن محمد بن القسم المفسر رضي الله عنه قال : حدثنا يوسف بن محمد بن زياد وعلي بن محمد بن سيار ، عن أبويهما ، عن الحسن بن علي العسكري ، عن أبيه علي بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي صلى الله عليه وآله أن الرضا عليه السلام علي بن موسى لما جعله المأمون ولي عهده ، احتبس المطر فجعل بعض حاشية المأمون والمتعصبين على الرضا يقولون أنظروا لمَّا جاءنا علي بن موسى وصار ولي عهدنا فحبس الله عنا المطر ! واتصل بالمأمون فاشتد عليه فقال للرضا عليه السلام قد احتبس المطر ، فلو دعوت الله عز وجل أن يمطر الناس ؟

فقال الرضا عليه السلام : نعم . قال : فمتى تفعل ذلك ؟ وكان ذلك يوم الجمعة . قال يوم الاثنين فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أتاني البارحة في منامي ومعه أمير المؤمنين عليه السلام وقال : يا بني انتظر يوم الاثنين فابرز إلى الصحراء واستسق ، فإن الله تعالى سيسقيهم وأخبرهم بما يريك الله مما لا يعلمون من حالهم ، ليزداد علمهم بفضلك ومكانك من ربك عز وجل !

فلما كان يوم الاثنين غدا عليه السلام إلى الصحراء وخرج الخلائق ينظرون فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : اللهم يا رب ، أنت عظمت حقنا أهل البيت فتوسلوا بنا كما أمرت ، وأملوا فضلك ورحمتك ، وتوقعوا إحسانك ونعمتك ، فاسقهم سقياً نافعاً عاماً غير رايث ولا ضائر ، وليكن ابتداء مطرهم بعد انصرافهم من مشهدهم هذا إلى منازلهم ومقارهم .

قال : فو الذي بعث محمداً بالحق نبياً ، لقد نسجت الرياح في الهواء الغيوم وأرعدت وأبرقت ، وتحرك الناس كأنهم يريدون التنحي عن المطر ، فقال الرضا عليه السلام : على رسلكم أيها الناس فليس هذا الغيم لكم ، إنما هو لأهل بلد كذا ! فمضت السحابة وعبرت ، ثم جاءت سحابة أخرى تشتمل على رعد وبرق فتحركوا فقال : على رسلكم فما هذه لكم ، إنما هي لأهل بلد كذا ، فما زالت حتى جاءت عاشر سحابة وعبرت ، ويقول علي بن موسى الرضا في كل واحدة : على رسلكم ليست هذه لكم إنما هي لأهل بلد كذا ، ثم أقبلت سحابة حادية عشر فقال : أيها الناس هذه سحابة بعثها الله عز وجل لكم ، فاشكروا الله على تفضله عليكم ، وقوموا إلى مقاركم ومنازلكم ، فإنها مسامتة لكم ولرؤوسكم ممسكة عنكم إلى أن تدخلوا إلى مقاركم ثم يأتيكم من الخير ما يليق بكرم الله تعالى وجلاله .

ونزل من على المنبر وانصرف الناس ، فما زالت السحابة ممسكة إلى أن قربوا من منازلهم ثم جاءت بوابل المطر فملأت الأودية والحياض والغدران والفلوات ، فجعل الناس يقولون : هنيئاً لولد رسول الله كرامات الله عز وجل .

ثم برز إليهم الرضا عليه السلام وحضرت الجماعة الكثيرة منهم فقال : يا أيها الناس اتقوا الله في نعم الله عليكم فلا تنفروها عنكم بمعاصيه ، بل استديموها بطاعته وشكره على نعمه وأياديه ، واعلموا أنكم لا تشكرون الله بشئ بعد الايمان بالله وبعد الاعتراف بحقوق أولياء الله من آل محمد رسول الله صلى الله عليه وآله أحب إليه من معاونتكم لإخوانكم المؤمنين على دنياهم ، التي هي معبر لهم إلى جنان ربهم ، فإن من فعل ذلك كان من خاصة الله تبارك وتعالى ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك قولاً ما ينبغي لقائل أن يزهد في فضل الله عليه فيه ، إن تأمله وعمل عليه ، قيل يا رسول الله هلك فلان وكان يعمل من الذنوب كيت وكيت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : بل قد نجى ولا يختم الله عمله إلا بالحسنى ، وسيمحو الله عنه السيئات ويبدلها حسنات ! إنه كان يمر مرة في طريق عرض له مؤمن قد انكشفت عورته وهو لا يشعر فسترها عليه ولم يخبره مخافة أن يخجل !

ثم إن ذلك المؤمن عرفه في مهواه فقال له : أجزل الله لك الثواب وأكرم لك المآب ولا ناقشك في الحساب ، فاستجاب الله له فيه ! فهذا العبد لا يختم الله له إلا بخير بدعاء ذلك المؤمن ، فاتصل قول رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا الرجل فتاب وأناب وأقبل على طاعة الله عز وجل ، فلم يأت سبعة أيام حتى أغير على سرح المدينة ، فوجه رسول الله صلى الله عليه وآله في أثرهم جماعة ذلك الرجل أحدهم ، فاستشهد فيهم !

قال الإمام محمد بن علي بن موسى عليهم السلام : وعظم الله تبارك وتعالى البركة في البلاد بدعاء الرضا عليه السلام وقد كان للمأمون من يريد أن يكون هو ولي عهده من دون الرضا عليه السلام وحساد كانوا بحضرة المأمون للرضا عليه السلام فقال للمأمون

بعض أولئك : يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تكون تاريخ الخلفاء في إخراجك هذا الشرف العميم والفخر العظيم من بيت ولد العباس إلى بيت ولد علي ! لقد أعنت على نفسك وأهلك ، جئت بهذا الساحر ولد السحرة ، وقد كان خاملاً فأظهرته ، ومتضعاً فرفعته ، ومنسياً فذكرت به ، ومستخفاً فنوهت به ، قد ملأ الدنيا مخرقةً وتشوفاً بهذا المطر الوارد عند دعائه ! ما أخوفني أن يخرج هذا الرجل هذا الأمر عن ولد العباس إلى ولد علي ! بل ما أخوفني أن يتوصل بسحره إلى إزالة نعمتك والتواثب على مملكتك ، هل جنى أحد على نفسه وملكه مثل جنايتك ؟ !

فقال المأمون : كان هذا الرجل مستتراً عنا يدعو إلى نفسه ، فأردنا أن نجعله ولي عهدنا ليكون دعاؤه لنا ، وليعترف بالملك والخلافة لنا ، وليعتقد فيه المفتونون به أنه ليس مما ادعى في قليل ولا في كثير وأن هذا الأمر لنا دونه ، وقد خشينا إن تركناه على تلك الحالة أن ينفتق علينا منه ما لا نسده ويأتي علينا منه ما لا نطيقه ! والآن فإذ قد فعلنا به ما فعلنا ، وأخطأنا في أمره بما أخطأنا ، وأشرفنا من الهلاك بالتنويه به على ما أشرفنا ، فليس يجوز التهاون في أمره ، ولكنا نحتاج أن نضع منه قليلاً قليلاً حتى نصوره عند الرعايا بصورة من لا يستحق لهذا الأمر ، ثم ندبر فيه بما يحسم عنا مواد بلائه !

قال الرجل : يا أمير المؤمنين فولني مجادلته فإني أفحمه وأصحابه وأضع من قدره ، فلولا هيبتك في نفسي لأنزلته منزلته ، وبينت للناس قصوره عما رشحته له . قال المأمون : ما شئ أحب إليّ من هذا .

قال فاجمع جماعة وجوه مملكتك من القواد والقضاة وخيار الفقهاء ، لأبين نقضه بحضرتهم ، فيكون أخذاً له عن محله الذي أحللته فيه ، على
علم منهم بصواب فعلك ! قال فجمع الخلق الفاضلين من رعيته في مجلس واسع قعد فيه لهم ، وأقعد الرضا عليه السلام بين يديه في مرتبته التي جعلها له ، فابتدأ هذا الحاجب بالكلام المتضمن للوضع من الرضا عليه السلام ، وقال له :

إن الناس قد أكثروا عنك الحكايات وأسرفوا في وصفك بما أرى إنك أن وقفت عليه برئت إليهم منه ، قال وذلك أنك قد دعوت الله في المطر المعتاد مجيئه ، فجاء فجعلوه آية معجزة لك أوجبوا لك بها أن لا نظير لك في الدنيا ، وهذا أمير المؤمنين أدام الله ملكه وبقاءه لا يوازى بأحد إلا رجح به ، وقد أحلك المحل الذي قد عرفت ، فليس من حقه عليك أن تسوغ الكاذبين لك وعليه ما يتكذبونه .

فقال الرضا عليه السلام : ما أدفع عباد الله عن التحدث بنعم الله عليَّ ، وإن كنت لا أبغي أشراً ولا بطراً . وأما ما ذكرت عن صاحبك الذي أحلني ما أحلني ، فما أحلني إلا المحل الذي أحله ملك مصر يوسف الصديق عليه السلام وكانت حالهما ما قد علمت ! فغضب الحاجب عند ذلك وقال :

يا ابن موسى لقد عدوت طورك وتجاوزك قدرك ، إن بعث الله بمطر مقدر وقته لا يتقدم ولا يتأخر ، جعلته آيةً تستطيل بها ، وصولةً تصول بها ، كأنك جئت بمثل آية الخليل إبراهيم عليه السلام لما أخذ رؤوس الطير بيده ودعا أعضاءها التي كان فرقها على الجبال فأتينه سعياً وتركَّبْنَ على الرؤوس وخَفَقْنَ وطِرْنَ بإذن الله تعالى ، فإن كنت صادقاً فيما توهم فأحييِ هذين وسلطهما علي ، فإن ذلك يكون حينئذ آية معجزة ، فأما المطر المعتاد مجيؤه ، فلست أنت أحق بأن يكون جاء بدعائك من غيرك الذي دعا كما دعوت !

وكان الحاجب أشار إلى أسدين مصورين على مسند المأمون الذي كان مستنداً إليه ، وكانا متقابلين على المسند ، فغضب علي بن موسى صلى الله عليه وآله وصاح بالصورتين : دونكما الفاجر فافترساه ولا تبقيا له عيناً ولا أثراً ! فوثبت الصورتان وقد عادتا أسدين فتناولا الحاجب ورضضاه وهشماه وأكلاه ولحسا دمه ! والقوم ينظرون متحيرين مما يبصرون ! فلما فرغا منه أقبلا على الرضا عليه السلام وقالا : يا ولي الله في أرضه ماذا تأمرنا نفعل بهذا ، أنفعل به ما فعلنا بهذا ؟ يشيران إلى المأمون ! فغشي على المأمون مما سمع منهما ، فقال الرضا عليه السلام : قفا ، فوقفا ! قال الرضا عليه السلام : صبوا عليه ماء ورد وطيبوه ، ففعل ذلك به وعاد الأسدان يقولان : أتأذن لنا أن نلحقه بصاحبه الذي أفنيناه ؟ قال : لا ، فإن لله عز وجل فيه تدبيراً هو ممضيه . فقالا : ماذا تأمرنا ؟ قال : عودا إلى مقركما كما كنتما ، فصارا إلى المسند وصارا صورتين كما كانتا ! !

فقال المأمون : الحمد لله الذي كفاني شر حميد بن مهران ، يعني الرجل المفترَس ، ثم قال للرضا عليه السلام : يا ابن رسول هذا الأمر لجدكم رسول الله صلى الله عليه وآله ثم لكم ، فلو شئت لنزلت عنه لك ! فقال الرضا عليه السلام : لو شئت ناظرتك ولم أسألك ، فإن الله تعالى قد أعطاني من طاعة سائر خلقه مثل ما رأيت من طاعة هاتين الصورتين ، إلا جهال بني آدم فإنهم وإن خسروا حظوظهم فلله عز وجل فيه تدبير ، وقد أمرني بترك الاعتراض عليك وإظهار ما أظهرته من العمل من تحت يدك ، كما أمر يوسف بالعمل من تحت يد فرعون مصر !

قال : فما زال المأمون ضئيلاً في نفسه إلى أن قضى في علي بن موسى الرضا عليه السلام ما قضى ) ! ( ورواه الطبري في دلائل الإمامة ص ۳۷۶ ، وابن حمزة في المناقب ص ۴۶۷ ) ( ۵ )

هذا هو علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه ، الذي سطعت شمس براهينه على العالم ، وأفحمت عدوه وحاسده المستكبر ، فرأى أنه لا بد أن يتخلص منه بقتله ، قبل أن يعشو المسلمون إلى ضوء هداه .

true
الملصقات:
true
true
true

يمكنك أيضا تسجيل تعليقك

- أكمل الخيارات المميزة بنجمة (*)
- البرید الإکتروني سیکون مشفرا و لن یظهر لأحد


false