×

القائمة العلوية

القائمة الرئيسية

للإختصار

أخبار الموقع

true
true

محتوى خاص

true
    الیوم:  السبت 9 صفر 1442   
true
false

وجهوا بعض المخافین، أقول في عدم قبول ما ورد حول البکاء و هو;

أنّ أدلة وروايات البكاء تشتمل على مضامين لا يقبلها العقل ..

مثل

«أنّ مَن بَكى ودَمِعَت عيناه بقَدر جَناح ذُبابة، غُفَر له كلّ ذنوبه»

فهذه الروايات- بتعبيرهم- مضمونها إسرائيليّ .. شبيه لما لدى النصارى من أنّ المسيح قُتِل لتُغفر ذنوب أمّته .. فهذه الروايات فيها ما يشابه هذا المضمون .. أنّ الحسين قُتل ليُكفِّر عن ذنوب شيعته إلى يوم القيامة، فهي- بزعم هؤلاء- إغراء بالذنوب وإغراء للمعاصي .. فلا يمكن العمل بهذه الروايات .. لأنّ فيها نفس الإغراء الموجود في الفكرة المسيحيّة واليهوديّة .. فحينئذ مضمون هذه الروايات لا يقبلها العقل ولا يصدّقها .. وهو مضمون دخيل كما عبّروا .. وهذا الوجه- في الحقيقة- يتألّف من أمرين:

الأول: ضعف سند هذه الروايات ..

الثاني: ضعف المضمون، لاشتماله على هذا الإغراء الباطل ..

الجواب:

أمّا ضعف السند فأنّ كتاب بحارالأنوار يتضمّن باب ثواب البكاء على الحسين عليه السلام ويحتوي على خمسين رواية في فضل واستحباب البكاء .. وهذه الروايات الخمسون، مما جمعها صاحب البحار هي غير الروايات العشرين التي جمعها صاحب الوسائل وغير الروايات المتناثرة التي تربو على العشرات في الأبواب الأخرى .. فكيف نردّ هذه الروايات؟ وبأيّ ميزان درائيّ ورجالي نشكّك بها .. فالقول بضعف السند لهذه الروايات ناتج من ضعف الإنتباه أو ضعف الحيطة العلميّة، لأنّه بأدنى تصفّح في المصادر المعتبرة الحديثيّة تحصل القناعة واليقين بوجود أسانيد كثيرة جدّاً، منها الصحيح، ومنها الموثّق، ومنها المعتبر، فضلًا عن كونها تصل إلى حدّ الاستفاضة بل التواتر ..

وأمّا المضمون فقد طعن عليه غير واحد، حيث قالوا: إنّ ذكر الثواب في البكاء على الحسين عليه السلام فيه إغراء للناس لارتكاب الذنوب والإتّكاء على البكاء، ويستشهدون على ذلك بكون كثير من العوامّ يرتكبون المعاصي ويشاركون في نفس الوقت مشاركة فعالة في الشعائر الحسينيّة ويخدمون ويحضرون المجالس ويبكون .. واتّكالًا على هذه المشاركة وتذرّعاً بهذا البكاء فإنّهم يرتكبون ما يروق لهم من المعاصي .. فبالتالي يصبح مضمون هذه الشعائر باطلًا ..

الجواب عن هذا الإشكال أنّ مثل هذا المضمون موجود في موارد عديدة في الشريعة، وهي موارد مسلّمة .. مثلًا: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ

سَيِّئاتِكُمْ» [۱] فهل هذا إغراء بالصغائر .. أو:«إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» [۲] هل هذا إغراء بكلّ المعاصي غير الشِّرك؟!

يُضاف إلى ذلك روايات عديدة أخرى وردت من طرق العامّة والخاصّة في ثواب البكاء من خشية اللَّه، منها:

عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم:

«مَن خرج من عينيه مثل الذباب من الدمع من خشية اللَّه آمنه اللَّهُ يومَ الفزع الأكبر» [۳]

وقوله صلى الله عليه و آله و سلم:

«مَن بكى على ذنبه حتّى تسيل دموعه على لحيته حرّم اللَّه ديباجة وجهه على النار» [۴]

فهل هذا إغراء لارتكاب المعاصي والذنوب؟! وكذلك ورد في ثواب الحجّ والصلاة المفترضة والصوم وغيرها من الثواب العظيم، وغفران الذنوب .. بل يمكن الردّ على الإشكال في هذه الموارد بوجوه عديدة:

اوّلًا: الترغيب في نفس العمل، لا أنّه إغراء بالمنافرات والمضادّات ..

ثانياً: فتح باب التوبة وعدم اليأس ..

ثالثاً: أنّ البكاء من خشية اللَّه إنّما يكون من باب المقتضي للتكفير عن الصغائر أو لغفران الذنب وليس من باب العلّة التامّة .. أي أنّ هناك أموراً وشرائط أخرى لابدّ من توفّرها مع المقتضي، من قبيل عدم الإصرار على الصغائر، والعزم والتصميم على الإقلاع عن المعصية وغير ذلك .. فإذا تمّت جميع هذه المقدّمات وتوفّر المقتضي فتحصل العلّة التامة للتكفير أو للمغفرة .. لذلك نقول أنّ هذه الأمور هي من باب المقتضي وليست من باب العلّة التامة ..

ورابعاً: في آية «إِنْ تَجْتَنِبُوا …» المقصود تكفير الذنوب السابقة وليس الآتية في المستقبل .. والذي يرتكب الذنوب في المستقبل قد لا يوفق إلى مثل هذا التكفير والغُفران .. وهذا نظير ما ورد في باب الحجّ: أنّ مَن حجّ يُقال له بعد رجوعه استأنف العمل [۵]، أو أنّه يرجع كما ولدته أمّه، ويُغفر لما سبق من ذنوبه ..

فهذا ليس إغراءً بالجهل وبالذنوب .. بل المقصود أنّ هذه مقتضيات، لا أنّها تحدّد المصير النهائيّ- والعاقبة النهائية.

وقد ورد في بعض الروايات: مَن مات على الولاية، يَشْفَع ويشَفَّع [۶] .. لكن من يضمن أنّه يموت على الولاية إذا كان يرتكب الذنوب والكبائر فليست ولاية أهل البيت مُغرية للوقوع في الذنوب والمعاصي ..

إذ أنّ ارتكاب المعاصي يُسبّب فقدان أغلى جوهرة وأعظم حبل للنجاة، وهو العقيدة .. ويؤدّي إلى ضياع الإيمان، حيث قال تعالى: «ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ
أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ كانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ» [۷] حيث إنّ مجموع الدين يعتبر كتلة واحدة، ولا ننظر إلى الدين من جهة دون أخرى .. وإذا كان تمام الأدّلة الدينيّة يُشير إلى أن ارتكاب المعاصي والإصرار عليها يُؤدّي إلى فقدان الإيمان والمآل إلى سوء العاقبة- والعياذ باللَّه- فليس فيها جانب إغراء، بل فيها إشارة إلى جهة معيّنة، وهي أنها تخلّص الإنسان وتنقذه من حضيض المعاصي والرذائل وتَعرُج به إلى سمو الفضائل وجادّة الصواب والصراط المستقيم ..
فإنّ التفاعل العاطفيّ مع أحداث عاشوراء ليس ينفّر من أعداء أهل البيت عليهم السلام فقط .. بل هو أيضاً ينفّر من السلوكيّات المنحرفة المبتلى بها، وتتولّد في أعماق الشخص المتأثّر حالة تأنيب الضمير لذلك؛ فهو يجسّد في نفسه الصراع والجهاد .. فإذا عرضت له أشكال من المعصية كأنّما يتحرّك عنده هاجس الحرارة الحسينيّة وينشأ في روحه جانب تأنيب الضمير .. فهذا نوع من الإنجذاب القلبيّ والعزم الإراديّ نحو الصراط المستقيم .. وليس مفاد الروايات أنّ: من بكى على الحسين فله الضمان في حسن العاقبة، وله النتيجة النهائية في الصلاح والفلاح .. ليس مفادها ذلك .. إنّما مفاد الروايات: مَن بكى على الحسين غُفرت له ذنوبه .. مثل أثر فريضة الحجّ. وغفران الذنوب مشروط- كما يقال- بالموافاة .. والموافاة اصطلاح كلاميّ وروائيّ .. أي
أن يوافي الإنسان خاتمة أجره بحُسن العاقبة .. وإلّا فمع سوء العاقبة- والعياذ باللَّه- ترجع عليه السيئات وتُحبط الحسنات ولا تُكتب له ..

فليس في منطق هذه الروايات إغراء بالمعاصي، وليست هي كعقيدة النصارى بأنّ المسيح قد قُتل ليغفر للنصارى جميعاً .. حتّى وإن عملوا المعاصي والكبائر وأنواع الظلم والعدوان .. ولا كعقيدة اليهود الذين قالوا أنّ عُزيراً أو غيره له هذه القابليّة على محو المعاصي والكبائر عن قومه .. وإلّا لأشكل علينا أنّ قرآننا توجد فيه اسرائيليّات .. فمنطق الآية: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ …» يختلف عن ذاك المنطق الذي يُنادي به النصارى .. أولئك يقولون: نعمل ما نشاء والعاقبة ستُختم لنا بالحُسنى .. فأين هذا عن المعنى الذي نحن بصدده؟

مضمون أن يُغفَر له ولو كان كزبد البحر، مخالفٌ غير ذلك المعنى أصلًا .. بل فيه نوع من إدانة المذنبين، إضافةً إلى فتح باب الأمل وعدم القنوط وعدم اليأس، بل الأمل بروح اللَّه أن ينجذب الإنسان إلى الصراط المستقيم وجانب الطاعات ولا يقع في طريق المعاصي ويتخبّط في الذنوب ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[۱] النساء: ۳۱٫
[۲] النساء: ۴۸٫
[۳] روضة الواعظين (الفتال النيسابوريّ): ۴۵۲٫
[۴] المصدر السابق.
[۵] بحار الانوار ۹۹: ۳۱۵/ ۶؛ وكذلك في تفسير القمي ۱: ۷۰
[۶] ورد في بحارالأنوار ۸: ۳۰ عدة روايات بهذا المضمون
[۷] الروم: ۱۰٫

true
true
true
true

يمكنك أيضا تسجيل تعليقك

- أكمل الخيارات المميزة بنجمة (*)
- البرید الإکتروني سیکون مشفرا و لن یظهر لأحد


false